فهرس الكتاب
وهنا نتوقف لنتساءل: لماذا هجر الناس كلهم في الجزيرة، ولم يصطحب معه غير اسال؟ إن الناس ـ واسال واحد منهم ـ أصحاب ملة صحيحة، لكن غالبيتهم العظمى لم يكن بمقدورها أن تنفذ إلى باطن الحقيقة، وكان هذا من حظ اسال وحده، صاحب الفطرة الفائقة الذي نفذ من خلال الظاهر إلى الباطن، واستطاع بذلك أن يتلاقى مع حي أصدق لقاء. وهذا يعني، أن الشريعة ـ وهي ظاهر في نظر غالبية الناس ـ لها باطن بالنسبة إلى المتفوقين منهم، وهذا الباطن لا يختلف في شيء، عما يؤدي إليه التفكير الشخصي الحكيم: إن الحقيقة تتجمد في قوالب ميتة في المجتمع، ولا يمكن لها أن تسترد تدفقها العارم إلا في نفوس الأفراد المتأملين، في حياة العزلة، الذين يهبونها حياة من حياتهم، وخفقًا من أفئدتهم.
خاتمة ـ في معنى القصة:
وبعد، لابد لنا من التساؤل عن معنى هذه القصة، وعن المغزى المقصود من ورائها. لاشك أن الإجابة عن هذا السؤال يمكن أن تؤخذ من الناحية الفلسفية. لكننا في بحثنا هذا كنا ننظر إليها من الناحية التربوية. لهذا لابد لنا من حصر سؤالنا في هذا الجانب وحده. وعندئذٍ كيف يمكننا أن ننظر إلى التربية الطبيعية التي ترباها حي، وإلى التربية الاجتماعية الدينية التي ترباها سلامان واسال وأهل جزيرتهما؟ أهي تمثل تربية الفرد الإنساني أم تربية النوع الإنساني؟ لكي ندلي برأينا، لابد لنا من الإجابة عن ذلك من ناحيتين: ناحية التربية الطبيعية، وناحية التربية الاجتماعية الدينية. لهذا سنعرض للجانبين معًا، بادئين بآراء الدارسين من أجل أن نعقب عليهما برأينا.
(1) ـ التربية الطبيعية الذاتية: يذهب أكثر الباحثين إلى أن الغاية الأساسية من كتابة رسالة حي بن يقظان، هي بيان إمكان ترقي عقل الإنسان باستمرار، حتى يصل إلى معرفة العالم وخالقه، وإظهار أن تطور حي يمثل تطور النوع الإنساني، على وجه التأكيد.