فهرس الكتاب
ويمكن أن نضيف إلى هذا الصنف صنفًا ثانيًا من الدروس ـ وهي دروس تعليمية حقيقية ـ كانت تقدم لأبناء الحاشية ممن هم في خدمة السلطان أو الأمير وخاصة منهم أبناء الأطباء الذين يقتفون عادة آثار آبائهم في الطب. ويمكن تسمية هذا الصنف من الدروس دروسًا خاصة. وقد كان أبو العباس أحمد ابن أبي أصيبعة ـ"صاحب العيون"ـ أيام كان والده في خدمة أمير دمشق عيسى بن الملك العادل الأيوبي ممن تلقى هذا الصنف من الدروس أخذًا عن الطبيب ابن صقلاب. وقد حدثنا هو نفسه عن ذلك إذ قال:"ومما شاهدته من أمره (أي ابن صقلاب) إني كنت أقرأ عليه في أوائل اشتغالي بصناعة الطب ونحن في المعسكر المعظمي ـ وكان أبي أيضًا في ذلك الوقت في خدمة الملك المعظم رحمه الله شيئًا من كلام ابقراط حفظًا واستشراحًا، فكنت أرى من حسن تأتيَّه في الشرح وشدة استقصائه للمعاني بأحسن عبارة وأوجزِها وأتمِّها معنى ما لا يجسر أحد على مثل ذلك ولا يقدر عليه. ثم يذكر خلاصة ما ذكره وحاصل ما قاله حتى لا يبقى في كلام بقراط موضع إلا وقد شرحه شرحًا لا مزيد عليه في الجودة. ثم أنه يورد نص ما قاله جالينوس في شرحه شرحًا لذلك الفصل على التوالي إلى آخر قوله.." (48) .
د ـ المجالس الخاصة: وقد كانت كثيرة الانتشار، وقد كان الأطباء يقيمونها عادة في منازلهم الخاصة ويستقبلون فيها الطلبة والتلاميذ الراغبين في الأخذ عنهم. ومعظم أطباء الشام في القرنين السادس والسابع الهجريين كانت لهم مجالسهم الخاصة، وقد تخرج من تلك المجالس أطباء كثيرون. ومن أهم الأطباء الذين كانت لهم مجالس نذكر:
1 ـ مهذب الدين بن النقاش، فإنه"لما وصل إلى دمشق بقي بها يطبب، وكان أوحد زمانه في صناعة الطب، وله مجلس عام للمشتغلين عليه" (49) ، ومن التلاميذ الذين أخذوا عنه مهذب الدين بن الحاجب (توفي في النصف الأول من القرن السابع) وموفق الدين بن المطران ومهذب الدين السامري وأبو زكرياء البياسي ورضي الدين الرحبي.