فهرس الكتاب
لم تكن الصيدلة في القديم منفصلة عن الطب. وكان من المستحسن في الطبيب أن يكون طبيبًا وصيدلانيًا في نفس الوقت، يُعد أدويته بنفسه حسب معرفته وتجاربه الخاصة. وقد بين ذلك الطبيب الأندلسي أبو جعفر أحمد بن محمد الغافقي (ت 560 هـ 1165 م) في مقدمة كتابه"الأدوية المفردة"تبيانًا حسنًا بقوله:"فأما حلي الأدوية واختيارها ومعرفة الجيد منها من الرديء فهو أخص بغرض هذا الكتاب مما ذكرنا، وإن كان أكثر أطبائنا يرون أن ذلك فصل خارج عن صناعة الطب وأن الطبيب ليس عليه علم بشيء من ذلك بل تقليد في ذلك الشجَّارين والصيادلة، وأنا أٌول في جواب ذلك: أما قولهم إن ذلك من غير صناعة الطب فصدقوا وذلك لأن معرفة الأدوية واختيارها إنما هو من صناعة الصيدلة لا من صناعة الطب لكن أطباءنا هؤلاء كلهم صيادلة. فمن قال منهم إنه ليس عليه معرفة الأدوية فهو من منه جهل فاحش قبيح لأن أطباءنا هؤلاء كلهم هم يتولون بأنفسهم عمل الأدوية المركبة وجميع أعمال الصيدلة. وما أقبح بأحدهم لو عقلوا أن يطلب أدوية مفردة لتركيب دواء فيؤتى بأدوية لا يعلم هل هي التي أراد أم غيرها، فيركبها ويسقيها عليله ويقلد فيها الشجَّارين ولقَّاطي الحشائش وقومًا لا يقرأون الكتب ولا يعرفون من الأدوية إلا أقلها ولا لأكثرهم أمانة، والذي يعرفونه من الأدوية فهم في معرفة مقلِّدون لغيرهم بغير علم، هذا إلى ما يُشاهد من اختلافهم فيها وقلة اتفاقهم. وأنا أقول إن أطباءنا هؤلاء كلهم إنما هم صيادلة، ولا تكسُّب لهم ولا معاش إلا من الصيدلة وهم لا يعلمون ذلك. ومثلهم في ذلك كمثل رجل نجار ولم يكن له كسب إلا من النجارة وهو يجهل أنه نجار ويظن أن صناعته غير ذلك. ومن جهل نفسه هذا الجهل فليس ينبغي أن يكلَّم أصلًا. فالطبيب الذي يحكم بما يجب للمريض من غذاء ودواء وتدبير وغير ذلك ولا يتولى شيئًا من عمل ذلك بيده هو طبيب فقط وليس بصيدلاني.والذي يتولى عمل الأدوية وتركيبها هو صيدلاني."