فهرس الكتاب
ونريد أن نختم الحديث عن هذا المظهر بالحديث عن طبيبين قد تميزا في التأليف في الأدوية المفردة وخرجا فيه عن المألوف فحق لهما أن يعتبرا من عظماء علماء النبات. أولهما رشيد الدين بن الصوري الذي كان"أوحدًا (كذا) في معرفة الأدوية المفردة وماهياتها واختلاف أسمائها وصفاتها وتحقيق خواصها وتأثيراتها (76) . وقد ألف فيها كتابًا جليلًا كان نتيجة تجربة وبحث ميداني يقوم به أثناء جولات تعشيبية بحثًا عن النباتات في مظانها للتحقق من صفاتها وماهياتها، والتعرف على أدوية جديدة لم يذكرها المتقدمون، ولذلك كان كتابه في الأدوية المفردة جامعًا قد"استقصى فيه ذكر الأدوية المفردة وذكر أيضًا أدوية اطلع على معرفتها ومنافعها لم يذكرها المتقدمون" (77) . وقد سلك في التعرف على النبات طريقة قد صورها لنا ابن أبي أصيبعة بقوله:"وكان يستصحب مصورًا ومعه الأصباغ والليق على اختلافها وتنوعها. فكان يتوجه رشيد الدين بن الصوري إلى المواضع التي بها النبات مثل جبل لبنان وغيره من المواضع التي اختص كل منها بشيء من النبات، فيشاهد النبات ويحققه ويريه للمصور فيعتبر لونه ومقدار ورقه وأغصانه وأصوله ويصور بحسبها ويجتهد في محاكاتها. ثم إنه سلك أيضًا في تصوير النبات مسلكًا مفيدًا وذلك أنه كان يُري النبات للمصور في إبَّان نباته وطراوته فيصوره، ثم يريه إياه أيضًا وقت كماله وظهور بزره فيصوره تلو ذلك، ثم يريه إياه أيضًا في وقت ذواه ويبسه فيصوره، فيكون الدواء الواحد يشاهده الناظر إليه في الكتاب وهو على أنحاء ما يمكن أن يراه به في الأرض، فيكون تحقيقه له أتم ومعرفته له أبين" (78) ."