فهرس الكتاب
وإذا سألنا ابن خلدون: لماذا كانت الأمور على هذا النحو؟ ولماذا انتهى المجتمع البدوي إلى المجتمع الحضري؟ أجابنا بقوله:"إن أجيال البدو والحضر طبيعية لابد منهما". وهذا يعني، إن المجتمعات لديه، تسير بحسب قوانين معينة، لا يمكن الخروج عليها. وهذا ـ في رأينا ـ بداية الفهم العلمي للحياة الاجتماعية، وخروج عن النظرة الإصلاحية التي ظلت سائدة قبله، منذ بدأ التفكير الإنساني بدراسة المجتمعات البشرية.
وهكذا يربط ابن خلدون بين وجوه الكسب وتطور الحياة الاجتماعية؛ فيرينا أن ازدياد الكسب هو سبب هذا التطور؛ وأن المبالغة في جني ثماره، هي سبب المبالغة في اتساع الحضارة. ويمكننا أن نستخلص مع ابن خلدون، أن حياة البداوة سابقة على حياة الحضارة؛ وأن الحضارة البسيطة سابقة على الحضارة المعقدة؛ وأن الضروري سابق على الحاجي والكمالي. وبهذا الصدد يقول:"ولاشك أن الضروري أقدم من الحاجي والكمالي وسابق عليه؛ لأن الضروري أصل، والكمالي فرع ناشئ عنه: فالبدو أصل للمدن والحضر وسابق عليهما؛ لأن أول مطالب الإنسان الضروري؛ ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلًا؛ فخشونة البداوة قبل رفه الحضارة. ولهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها. ومتى حصل على الرياش الذي يحصل له به أحوال الترف وعوائده، عاج إلى الدعة، وأمكن نفسه إلى قياد المدينة. وهذا شأن القبائل المتبدية كلهم (9) ".
وهذا يعني، أن اختلاف أحوال الناس الاجتماعية مرتبط باختلاف أحوالهم الاقتصادية: فأحوال البداوة مرتبطة بانتحالهم الزراعة وتربية الحيوان؛ وهم يظلون كذلك ما داموا في هذا النطاق لا يتعدونه. لكنهم متى اتسعت أحوالهم المعاشية بالغنى والرفه مالوا إلى الدعة وكثرت حاجاتهم الكمالية، فتأنقوا في المأكل والملبس وتوسعة البيوت والمدن.