فهرس الكتاب
تلكم هي حياة البداوة؛ وهي ترتبط ـ كما نلاحظ ـ بمفهوم الحضارة الزراعية القائمة على الفلاحة والغراسة وتربية الحيوان، في سبيل استخراج ثرواتها ونتاجها. لكنه لا تقف عند هذا الحد؛ بل إنها الطريق إلى الحضارة الواسعة؛ إذ إنها لا تلبث أن تدر على بعض الناس أرباحًا تزيد من غناهم، وتميل بهم إلى الرفه والدعة. وهذا من شأنه أن يزيد من تعقيد حياتهم؛ فيصبحون غير قانعون بالضروري من حاجاتهم؛ مما يدفعهم إلى طلب الكمالي فضلًا عنه. وهنا يدخلون في دوامة لا تنتهي من الحاجات التي تسلمهم من حاجة إلى حاجة: إذ إن طلب الكمالي لا يقف عند حد؛ فهو سرعان ما يتحول إلى ضروري. وهكذا باستمرار...
في هذه الحال، يكون الانتقال في نظر ابن خلدون من حال البداوة إلى حال الحضارة. وهاكم وصفة لكيفية هذا الانتقال؛ يقول:"ثم إذا اتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش، وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه، دعاهم ذلك إلى السكون والدعة، وتعاونوا في الزائد على الضرورة، واستكثروا من الأقوات والملابس، والتأنق فيها، وتوسعة البيوت، واختطاط المدن والأمصار، للتحضر. ثم تزيد أحوال الرفه والدعة؛ فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنق في علاج القوت، واستجادة المطابخ، وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والديباج وغير ذلك، ومغالاة البيوت والصروح، وأحكام وضعها في تنجيدها، والانتهاء في الصنائع في الخروج من القوة إلى الفعل إلى غاياتها؛ فيتخذون القصور والمنازل؛ ويجرون فيها المياه، ويعالجون في صرحها، ويبالغون في تنجيدها، ويختلفون في استجادة ما يتخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آنية أو ماعون. وهؤلاء هم الحضر؛ ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان. ومن هؤلاء من ينتحل في معاشه الصنائع؛ ومنهم من ينتحل التجارة، وتكون مكاسبهم أنمى وأرفه من أهل البدو؛ لأن أحوالهم زائدة على الضروري، ومعاشهم على نسبة وجدهم (8) ".