فهرس الكتاب
ويرجع ابن خلدون اختلاف أجيال الناس في أحوالهم، إلى اختلاف نحلهم من المعاش. وهو يرى أن اجتماعهم إنما يكون للتعاون على تحصيل معاشهم؛ وإنهم يبدؤون بالضروري والبسيط منه؛ لكي ينتقلوا من بعد ذلك إلى الحاجي والكمالي. يصف ابن خلدون ذلك قائلًا:"إن اختلاف الأجيال في أحوالهم، إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش. فإن اجتماعهم إنما هو للتعاون على تحصيله، والابتداء بما هو ضروري منه وبسيط، قبل الحاجي والكمالي (6) ".
أما في طور البداوة، فإنهم ينصرفون إلى الفلاحة والغراسة والزراعة حينًا، وإلى القيام على الحيوان من الغنم والبقر والنحل والدود؛ لنتاجها واستخراج فضلاتها حينًا آخر. يقول شارحًا الكيفية التي يحدث ذلك بها:"فمنهم من يستعمل الفلح من الغراسة والزراعة؛ ومنهم من ينتحل القيام على الحيوان من الغنم والبقر والمعز والنحل والدود، لنتاجها واستخراج فضلاتها. وهؤلاء القائمون على الفلح والحيوان، تدعوهم الضرورة، ولابد، إلى البدو، لأنه متسع لما يتسع له الحواضر من المزارع والفدن والمسارح للحيوان، وغير ذلك. فكان اختصاص هؤلاء بالبدو أمرًا ضروريًا لهم. وكان حينئذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم من القوت والكن والدفاءة إنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة، ويحصل بلغة العيش من غير مزيد عليه، للعجز عما وراء ذلك (7) ".