فهرس الكتاب
ولكن، هل صحيح أن كل رزق هو نتيجة عمل؟ أليست هناك أرزاق هي هبة من السماء؛ كالنبات الذي ينبت في القفار، من دون أية رعاية أو عناية؟! إن ابن خلدون لا يعتقد ذلك: فهو يرى أنه لابد من القيام بعمل من الأعمال في كل رزق. لكن العمل قد يكون ظاهرًا وقد يكون غير ظاهر: إنه يكون ظاهرًا للعيان، ولا يحتاج إلى أي بيان، إذا نظرنا إلى الصنائع المختلفة، مثل صنع الصيوان والكرسي. وفي هذه الحال، لا يمكن لكائن من كان، أن ينكره فيهما بوجه من الوجوه. بيد أن العمل قد يكون مقتضى من الحيوان أو النبات أو المعدن؛ وهو عندئذ لا يكون ظاهرًا في الوهلة الأولى. ولهذا كان هناك من يعتقد أنه ما من عمل إنساني هناك؛ وإن هذه المقتنيات جميعًا هي هبة من الطبيعة، تجود بها على الإنسان. ولكن ابن خلدون لا يعتقد هذا الاعتقاد؛ فهو يرى أنه لابد هنا أيضًا من العمل الإنساني، للانتفاع بهذه المقتنيات الطبيعية. ويضرب على ذلك أمثلة الحليب والثمار والمعدن: فالحليب لابد من حلبه ونقله إلى راغبيه؛ والحلب والنقل عملان؛ والثمار لابد من قطفها وتوزيعها؛ والقطف والتوزيع عملان؛ والمعدن لابد من استخراجه وصنعه؛ والاستخراج والصنع عملان؛ الخ... (12) .
وفضلًا عن ذلك، فبعض البضائع لا يكون منفردًا مستقلًا عن غيره، بل يكون معه غيره. ويضرب لنا ابن خلدون مثلين على مثل هذه الصنائع، هما النجارة والحياكة. وهو يرى أن النجارة يكون معها الخشب؛ وأن الحياكة يكون معها الغزل؛ وهكذا... فإذا أنعمنا النظر فيها قليلًا، وجدنا قيمة العمل فيها أكثر من قيمة الأشياء التي تكون معها. ولتوضيح ذلك، لنفكر بقيمة العمل المبذول في بناء بيت من البيوت: إن قيمة العمل المبذول هنا أكبر بكثير من قيمة المواد المستخدمة في البناء. وقل الشيء نفسه بالنسبة إلى أسعار الأقوات بين الناس؛ ولاسيما في الأقطار التي يكون علاج الفلح فيها ومؤونته غير يسيرة (13) .