فهرس الكتاب

الصفحة 4843 من 23694

وهذا يقودنا إلى الحديث عن الجباية. وسنرى أن فيها لابن خلدون رأيًا طريفًا. فهو يرى أن قلة قدر الوزائع ينشط العمل ويرفع من قيمة الجباية؛ وإن رفع قيمتها يقعد الناس عن العمل؛ فتنخفض قيمة الجباية. ولهذا كان للسنة التي تستنها الدولة في فرض الضرائب وتوزيعها، أثر كبير في نشاط العمل.

(1) الجباية والعمل والترف:

لكي تقوم الدولة بوظائفها المختلفة، لابد لها من المال؛ والمصدر الرئيسي للمال بالإضافة إليها هو الجباية وما يتعلق بها من الوزائع. ويرى ابن خلدون أن الوازئع المفروضة على الناس، في بدء قيام الدولة، تكون قليلة المقدار بالنسبة إلى الأشخاص المفروضة عليهم. لكن الدولة تجني من ورائها جملة كبيرة من الدخل، لما تؤدي إليه من تنشيط الأعمال والحصول على وزائع كثيرة جراء ذلك. وخلافًا لذلك، فإن الوزائع التي تفرض على الناس في أواخر قيام الدولة، وعند بلوغها أعلى مراتب الرفه، تكون عظيمة المقدار بالنسبة إلى الأشخاص. لكنها لا تجني للدولة من ذلك جملة كبيرة من الدخل (35) لما تؤدي إليه من تثبيط الهمم عن العمل، وقلة الوزائع المتأتية عن ذلك.

ويشرح ابن خلدون ذلك مستندًا إلى وضع الدول في عصره، ولاسيما الدول الإسلامية. ويقوم تعليله على أن الدولة إما أن تكون سائرة على سنن الدين، وإما على سنن الدين، وإما على سنن التغلب والعصبية. وفي كلتا الحالتين فهي لا تعلي من مقادير الوزائع المفروضة على الناس، إما لأن الشرع يقتضي ذلك، أو لأن خلق البداوة القائم على المسامحة يتطلب ذلك (36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت