فهرس الكتاب
ولا يكاد ابن خلدون يصل إلى هذا الحد من الموازنة بين أسعار الحاجات الضرورية وأسعار الحاجات الكمالية في الأمصار القليلة السكان والأمصار الكثيرة السكان، حتى يحاول أن يحدد العلاقة بين الأسعار؛ بحيث يتوقع قارئه أن يجد قانونًا ينظم هذه العلاقة. لكن ابن خلدون لم ينص على قانون صريح فيما يتعلق بأسعار الحاجات، غير أن شيئًا من أنعام النظر والتفكير نرى فيما قاله، قانون العرض والطلب واضحًا في معناه أشد الوضوح:
فالحاجات الضرورية لا طلب عليها لتوافرها في كل يد، وفي كل بيت، وفي كل سوق من الأمصار الموفورة العمران. وهذا يعني أن العرض أكثر من الطلب. بيد أن الأمر مخالف لذلك في الأمصار الصغيرة؛ إذ إنها مفقودة في الأسواق ومحتكرة في البيوت. ولهذا فإن طالبها لن يجدها إلا إذا بذل في سبيل الحصول عليها. وهنا نلمس أيضًا قانون العرض والطلب؛ ولكن الطلب أكثر من العرض. ومن هنا كانت زيادة العرض على الطلب مؤدية إلى رخص الأسعار؛ وكان زيادة الطلب على العرض مؤدية إلى غلائها. وما قلناه على الحاجات الضرورية، يصح على الحاجات الكمالية؛ ولكن صحته عكسية.
3 ـ الاقتصاد والدولة
بيد أن قيمة البضاعة تزداد أيضًا بعامل آخر، هو ما تفرضه الدولة من مكوس عليها؛ لاسيما ما تفرضه على البياعات التي تتجر بها. يقول ابن خلدون بهذا الصدد:"وقد يدخل أيضًا في قيمة الأقوات، ما يفرض عليها من المكوس والمغارم للسلطان، في الأسواق وأبواب المصر، للجباة منافع يفرضونها على البياعات لأنفسهم (33) ".
هذا سبب آخر يلجأ إليه ابن خلدون لتعليل غلاء الحاجات في المدن. ولهذا يضيف قائلًا:"ولذلك كانت الأسعار في الأمصار أعلى من الأسعار في البادية، إذا المكوس والمغارم والفرائض قليلة لديهم أو معدومة؛ وكثرتها في الأمصار؛ لاسيما في أواخر الدولة (34) ".