فهرس الكتاب
لكن الأمر على خلاف ذلك بالإضافة إلى الحاجات الكمالية. والحقيقة، إذا كانت الحاجات الضرورية تنخفض أثمانها في الأمصار الكثيرة السكان، فإن الحاجات الكمالية ترتفع أثمانها فيها. ويعد ابن خلدون من الحاجات الكمالية الأدم والفواكه والملابس والماعون والمراكب وسائر الصانع والمباني (29) . ويعلل ارتفاع أسعارها بعدم الحاجة إلى اتخاذها من الناس أجمعين. وبهذا الصدد يقول:"وأما سائر المرافق من الأدم والفواكه وما إليها، فإنها لا تعم بها البلوى، ولا يستغرق اتخاذها أعمال أهل لمصر أجمعين، ولا الكثير منهم (30) ".
بيد أن هناك سببًا آخر لارتفاع أثمان الحاجات الكمالية، وهو الترف الذي يؤدي إلى البذل بإسراف في سبيلها. يقول ابن خلدون مبينًا ذلك:"ثم إن المصر إذا كان مستبحرًا موفور العمران، كثير حاجات الترف، توافرت حينئذ الدواعي على طلب تلك المرافق والاستكثار منها؛ كل بحسب حاله؛ فيقصر الموجود منها عن الحاجات قصورًا بالغًا؛ ويكثر المستامون لها؛ وهي قليلة في نفسها؛ فتزدحم أهل الأغراض؛ ويبذل أهل الترف والرفه أثمانها بإسراف في الغلاء؛ لحاجتهم إليها أكثر من غيرهم؛ فيقع فيها الغلاء (31) ."
ولكن الأمر في الأمصار الصغيرة القليلة السكان على خلاف ذلك تمامًا؛ إذ تكون الحاجات الكمالية رخيصة فيها لقلة طلابها. يقول ابن خلدون:"وأما مرافقهم فلا تدعو إليها أيضًا حاجة، لقلة السكان وضعف الأحوال؛ فلا تنفق لديهم سوقه؛ فيختص بالرخص في سعره (32) ".