فهرس الكتاب
ولكي يشرح ابن خلدون ذلك، يبدأ بالكلام على رخص الحاجات الضرورية. وهو يعد منها الأقوات من الحنطة وما في معناها، كالباقلاء، والبصل والثوم وأشباهها (25) . ويعلل رخص أثمانها بعدم إهمال الناس لأقواتهم. وبهذا الصدد يقول:"والسبب في ذلك، أن الحبوب من ضرورات القوت؛ فتتوافر الدواعي على اتخاذها؛ إذ كل أحد لا يهمل قوت منزله بشهره أو سنته، فيعم اتخاذها أهل مصر، أو الأكثر منهم في ذلك المصر، أو فيما قرب منه، لابد من ذلك (26) ".
بيد أن هذا السبب ليس الوحيد؛ فهناك سبب آخر وهو فيض فضلة من أقواتهم عنهم. ويمكننا أن نعد هذا السبب امتدادًا للسبب الأول. ويقول ابن خلدون في شرحه هذه الحقيقة ما يلي:"وكل متخذ لقوته تفضل عنه وعن أهل بيته فضلة كبيرة تسد خلة كثيرين من أهل ذلك المصر؛ فتفضل الأقوات على أهل المصر من غير شك؛ فترخص أسعارها في الغالب؛ إلا ما يصيبها في بعض السنين من الآفات السماوية. ولولا احتكار الناس لها ـ لما يتوقع من تلك الآفات ـ لبذلت دون ثمن أو عوض؛ لكثرتها بكثرة العمران (27) ".
أما في الأمصار الصغيرة القليلة السكان، فيكون الأمر على خلاف ذلك؛ إذ تكون أثمان الحاجات الضرورية فيها غالية لقلتها، وقلتها ناتجة عن قلة الأعمال فيها. وهذا يدعو السكان إلى التمسك بما يحصل في أيديهم منها، خوفًا من طلبها حين الحاجة، وعدم إيجادها. وهذا يؤدي إلى احتكارها؛ فيعز وجودها، ويغلو من ثمة ثمنها على طالبها (28) .