فهرس الكتاب

الصفحة 4839 من 23694

بيد أن الرخص المفرط ليس وحده العامل في كساد صنف من الأصناف؛ بل إن الغلاء المفرط هو أيضًا عامل في كساده. ولهذا كان السعر المعتدل هو المؤدي إلى حوالة الأسواق، ورواج البضائع؛ ومن ثم إلى انتفاع المحترفين بالأصناف التي احترفوا بها (20) . وفي هذه الحال، فهم يجزون جزاء عادلًا على عملهم.

لكن الأمر في فساد حال المحترفين بحرفة من الحرف لا يتوقف عندهم، بل يتجاوزهم إلى غيرهم من أهل الحرف الأخرى؛ لاسيما تلك التي تمت من قريب إلى الحرفة الكاسدة. ويضرب لنا ابن خلدون مثالًا على ذلك فساد حرفة الزراعة فيقول:"ويتبع ذلك الفساد حال المحترفين أيضًا بالطحن والخبز وسائر ما يتعلق بالزراعة من الحرث، إلى صيرورته مأكولًا (21) ".

ولا يقف الفساد عند هذا الحد؛ بل إنه يتعدى أهل هذه الحرف المتعددة جميعًا إلى الجند أنفسهم؛ بسبب قلة الجباية، وسوء أحوال الدولة. يقول ابن خلدون:"وكذا يفسد حال الجند؛ إذا كانت أرزاقهم من السلطان على أهل الفلح زرعًا، فإنها تقل جبايتهم من ذلك، ويعجزون عن إقامة الجندية التي هم بسببها ومطالبون بها، ومنقطعون لها؛ فتفسد أحوالهم (22) ".

وما صح على الزراعة والحرف التابعة لها، يصح على العسل والملبوسات وسائر الحرف الأخرى (23) .

(3) العمران وقيمة العمل:

بيد أن قيمة العمل المبذول في إنتاج البضائع أو صنعها، تختلف باختلاف درجة العمران وازدحام سكانه. وهنا يلاحظ ابن خلدون، أن الحاجات الضرورية ترخص أثمانها، كلما ازدادت درجة العمران، وتزايد معها تزاحم السكان؛ في حين أن الحاجات الكمالية ترتفع أثمانها خلافًا لذلك، بارتفاع درجة العمران وتزايد السكان (24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت