فهرس الكتاب
والحقيقة، إن التاجر يحاول باستمرار، أن يدخر البضائع المشتراة مدة من الزمن، تطول أو تقصر، بحسب بطء تحول الأسواق أو سرعته. ولعنصر الزمن أهميته بالنسبة إليه؛ لأنه قد يكون عامل ربح سريع أو بطيء: ولاشك أن التاجر يرغب في الربح السريع. وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا تحولت السوق بسرعة، واعتدلت الأسعار. أما إذا استديم الرخص في سلعة من السلع، فإنه يؤدي إلى كساد السوق، وطول مدة الاحتفاظ بالسلعة. وهذا ينتهي إلى فساد الربح؛ الأمر الذي يجعل التاجر يقعد عن السعي؛ فيفسد بذلك رأس ماله (17) .
والواقع إن كساد الأسواق معناه قلة الربح؛ وقلة الربح معناها عدم توافر القدر الكافي من المال لإنفاقه في ضروريات الحياة. وهذا يدفع بالتاجر إلى الإنفاق من رأس ماله بالذات الأمر الذي ينتهي به إلى نضوب رأس ماله؛ أي إفلاسه، كما نقول اليوم.
بيد أن الكساد في الأسواق لا ينال من التجار فحسب؛ بل ينال من أصحاب الحرف أيضًا؛ فهم الذين يقومون بصناعة السلع التي هي في أساس اتجار التاجر. ولهذا كان أمرهم ـ هم أيضًا ـ ينتهي إلى السوء والفقر. ويضرب ابن خلدون مثالًا على ذلك حال المحترفين بالزراعة في سائر أطوارها؛ فيقول:"واعتبر ذلك أولا بالزرع: فإنه إذا استديم رخصه، يفسد به حال المحترفين بسائر أطواره من الفلح والزراعة، لقلة الربح فيه، وندرته، أو فقده؛ فيفقدون النماء في أموالهم، أو يجدونه على قلة، ويعودون بالإنفاق على رؤوس أموالهم، وتفسد أحوالهم، ويصيرون إلى الفقر والخصاصة (18) ".
وهذا يعني، إن الرخص الذي يصيب صنفًا من الأصناف، يؤدي إلى الإجحاف بمعاش المحترفين بذلك الصنف (19) . وإذا علمنا أن سعر هذا الصنف هو قيمة العمل المبذول في إنتاجه، علمنا أيضًا أن عمل المحترفين بهذا الصنف ذهب هدرًا.