فهرس الكتاب
لكن الحال لا تبقى هي الحال؛ إذ إن كثرة الجباية تؤدي إلى الرفه والترف. وهذا ينتهي إلى أن تمر الدولة بنقطة تحول؛ فينقلب الأمر إلى نقيضه تمامًا: فالترف ينادي الترف؛ والرفه يدعو إلى الرفه؛ مما يجعل الدولة بحاجة إلى المزيد من المال؛ فتتجه إلى تكبير مقدار الوزائع المفروضة على الناس. وهنا يعمل القانون النفسي السابق؛ ولكن على نحو عكسي: فبعد أن أدى تقليل الوزائع إلى تنشيط النفوس إلى العمل؛ أخذ تكبير مقدار الوزائع يثبط الهمم إلى العمل. وفي هذه الحال، لابد لجملة الجباية من أن يصغر حجمها، على الرغم من ارتفاع مقدار الوزيعة الواحدة. وإليكم هذا الانقلاب كما يشرحه ابن خلدون. يقول"فإذا استمرت الدولة واتصلت، وتعاقبت ملوكها واحدًا كما يشرحه واتصفوا بالكيس، وذهب شر البداوة والسذاجة وخلقها من الأغضاء والتجافي، وجاء الملك العضوص، والحضارة الداعية إلى الكيس؛ وتخلق أهل الدولة حينئذ بخلق التحذلق، وتكثرت عوائدهم وحوائجهم، بسبب ما انغمسوا فيه من النعيم والترف؛ فيكثرون الوظائف والوزائع حينئذ على الرعايا والأكرة والفلاحين وسائر أهل المغارم؛ ويزيدون في كل وظيفة ووزيعة مقدارًا عظيمًا؛ لتكثر لهم الجباية؛ ويضعون المكوس على البياعات وفي الأبواب... ثم تتدرج الزيادات فيها بمقدار بعد مقدار؛ لتدرج عوائد الدولة في الترف وكثرة الحاجات، والانفاق بسببه، حتى تثقل المغارم على الرعايا، وتنهضم، وتصير عادة مفروضة."