فهرس الكتاب

الصفحة 4846 من 23694

ولكن، كيف تكون العلاقة بين ترف أهل الدولة وقلة جملة الجباية؟ لكي نتوضح ذلك، لابد لنا من الإصغاء إلى ابن خلدون وهو يقول:"اعلم أن الدولة تكون في أولها بدوية كما قلنا؛ فتكون قليلة الحاجات، لعدم الترف عوائده؛ فيكون خرجها وإنفاقها قليلًا؛ فيكون في الجباية حينئذ وفاء بأزيد منها؛ بل يفضل منها كثرة عن حاجاتهم. ثم لا تلبث أن تأخذ بدين الحضارة في الترف وعوائدها، وتجري على نهج الدول السابقة قبلها؛ فيكثر لذلك خراج أهل الدولة، ويكثر خراج السلطان خصوصًا كثرة بالغة؛ بنفقته في خاصته، وكثرة عطائه؛ ولا تفي بذلك الجباية، فتحتاج الدولة إلى الزيادة في الجباية، لما تحتاج إليه الحامية من العطاء، والسلطان من النفقة؛ فيزيد من مقدار الوظائف والوزائع أولًا، كما قلناه؛ ثم يزيد الخرج والحاجات والتدرج في عوائد الترف وفي العطاء للحامية؛ ويدرك الدولة الهرم، وتضعف عصابتها عن جباية الأموال من الأعمال القاصية؛ فتقل الجباية وتكثر العوائد؛ ويكثر بكثرتها رزق الجند وعطاؤهم، فيستحدث صاحب الدولة أنواعًا من الجباية يضربها على البياعات، ويفرض لها قدرًا معلومًا على الأثمان في الأسواق، وعلى أعيان السلع في أموال المدينة. وهو مع هذا مضطر لذلك، بما دعاه إليه ترف الناس من كثرة العطاء مع زيادة الجيوش والحامية. وربما يزيد ذلك في أواخر الدولة زيادة بالغة؛ فتكسد الأسواق لفساد الآمال، ويؤذن ذلك باختلال العمران، ويعود على الدولة؛ ولا يزال ذلك يتزايد إلى أن تضمحل (39) ".

ومن هذا نرى، إن زيادة قيمة الوزائع تؤدي إلى تناقص عددها. وهذا يؤدي بدوره إلى تناقض جملة الجباية، واختلال العمران، الذي يؤثر في وضع الدولة؛ ويؤدي إلى اختلالها. وهذا يعني أن استمرار الدولة مرتبط باستمرار العمل في المجتمع الذي تحكمه؛ وأن من واجبها أن تحافظ على استمراره، بجعل الضرائب المفروضة عليه معتدلة ومقبولة.

(2) العمل وازدهار العمران:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت