فهرس الكتاب
لهذا كان استمرار العمران وازدهاره في سعي الناس إلى أعمالهم، مملوئين بآمال الكسب في ذهابهم وإيابهم؛ حتى إذا ذهبت الآمال، جنح الناس إلى الهجرة من المصر؛ لضيق سبل الرزق فيه، إلى مصر آخر يؤملون فيه حسن المآل. ويشرح ابن خلدون ذلك قائلًا:"فإذا قعد الناس عن المعاش، وانقبضت أيديهم عن المكاسب، كسدت أسواق العمران، وانتقضت الأحوال، وابذعر الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق، فيما خرج عن نطاقها (40) ".
ولما كان ازدهار أحوال العمران بالأعمال؛ وكانت الأعمال تقل بقلة الأيدي العاملة، كان اختلال العمل مؤديًا إلى اختلال السلطان، واختلال السلطان مؤديًا إلى انهيار الدولة. وهنا يعقب ابن خلدون على هذا الوضع قائلًا:"... فخف ساكن القطر، وخلت دياره وخربت أمصاره؛ واختل باختلاله حال الدولة والسلطان؛ لما أنها صورة للعمران، تفسد بفساد مادتها ضرورة (41) ."
ومن هنا لم يكن ظلم الناس في أموالهم مما يعود بالخير على الدولة والسلطان. وابن خلدون يرى أن جباية الأموال بغير حق ظلم؛ وإنه يعود على الدولة بالخراب. يقول بهذا الصدد:"فجباة الأموال بغير حقها ظلمة؛ والمعتدون عليها ظلمة... ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها؛ لإذهابه الآمال من أهله (42) ".