فهرس الكتاب

الصفحة 4848 من 23694

وفضلًا عن ذلك، إن تسخير الناس في بعض الأعمال بغير حق، هو من أشد المظالم؛ لأن كل كسب إنما هو قيمة العمل، كما رأينا. والعمل دون كسب معناه اغتصاب قيمة العمل. وبهذا الصدد يقول ابن خلدون شارحًا:"ومن أشد الظلامات وأعظمها في إفساد العمران تكليف الأعمال، وتسخير الرعايا بغير حق. وذلك أن الأعمال من قبيل المتمولات... لأن الرزق أو الكسب إنما هو قيم أعمال أهل العمران. فإذن مساعيهم وأعمالهم كلها متحولات ومكاسب لهم؛ بل إنه لا مكاسب لهم سواها؛ فإن الرعايا في العمارة إنما معاشهم ومكاسبهم من اعتمالهم ذلك. فإذا كلفوا العمل في غير شأنهم؛ واتخذوا سخريًا في معاشهم، بطل كسبهم، واغتصبوا قيمة عملهم ذلك؛ وهو متمولهم؛ فدخل عليهم الضرر؛ وذهب لهم حظ كبير من معاشهم؛ بل هو معاشهم بالجملة؛ فأدى ذلك إلى انتقاص العمران وتخريبه (43) ".

وهكذا نرى أن ابن خلدون يريد أن يفسح الآمال أمام الناس، في سبيل معاشهم وكسبهم؛ لأنه يعتقد أن ذلك يؤدي إلى ازدهار العمران، وازدهار الدولة. وهذا يعني، أنه يربط الدولة بالمجتمع، والمجتمع بالاقتصاد، والاقتصاد بالعمل؛ ويرى أن تيسير سبل العمل من شأنه أن يؤدي ازدهار المجتمع، وازدهار الدولة.

ولهذا وصفه بعضهم بأنه من أنصار المذهب المرسل، أو المذهب الحر، في الاقتصاد. ولكن ما نريد أن نلفت الانتباه إليه هنا، هو أن ابن خلدون نظر إلى الظاهرة الاقتصادية في سياقها الاجتماعي؛ وإنه لم يكن عالم اقتصاد بقدر ما كان عالم اجتماع اقتصادي: لقد ألح كثيرًا على ربط العمران بالاقتصاد؛ ورأى أن للمجتمع آلية اقتصادية يتبعها موازية لآليته الحضارية. فما هذه الآلية؟ وما غايتها؟

4 ـ غاية العمران الاقتصادي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت