فهرس الكتاب
وبمعنى آخر، ما الغاية التي يتطلع إليها العمران الاقتصادي في تفاعله مع الحضارة؟ وهل ازدياد الرفه والترف يؤدي إلى استمرار المجتمع في صعوده الحضاري، أو أن هناك أوجًا متى بلغه، كان لابد من الانحدار بعده؟ والأخلاق ما علاقتها بالاقتصاد؛ وهل هي علاقة إيجابية أو سلبية؟
(1) آلية الحضارة والاقتصاد:
يرى ابن خلدون أن للحضارة مظاهر كثيرة متداخلة يؤثر بعضها في بعض، ويتأثر به، متبعًا آلية خاصة. والحقيقة، إن أول مظهر من مظاهر الحضارة هو الميل إلى الترف، الذي يؤدي إلى ازدهار الصنائع لا يلبث أن يجعل الناس يتمادون في الترف بالتدريج إلى أقصى حد. وهذا يكون لصالح بعضهم دون بعض، وعلى حساب بعضهم: فالرفه أول مظاهر الحضارة؛ وهو يؤدي إلى ازدهار الصنائع وتنوع فنونها، وتجمع الثروة في أيدي القلة، وازدياد عدد الفقراء، الأمر الذي ينتهي إلى فساد الأخلاق، نتيجة فساد وجوه المعاش؛ ويكون ذلك مؤذنًا بهرم الحضارة وانهيارها.
وهذا ما نريد شرحه فيما يلي:
آ ـ الميل إلى الترف:
إن الميل إلى الترف هو نتيجة لحصول المال؛ والملك هو دور انتقال من البداوة إلى الحضارة؛ وهذا الانتقال لا يكون إلا بالسعي إلى تحصيل الكمالي بعد حصول الضروري. وبهذا الصدد يقول ابن خلدون:"والسبب في ذلك؛ إن الحضارة هي أحوال عادية زائدة عن الضروري من أحوال العمران، زيادة تتفاوت بتفاوت الرفه، وتفاوت الأمم في القلة والكثرة تفاوتًا غير منحصر (44) ".
وهذا يعني، أن الرفه أول مظهر من مظاهر الحضارة.
ب ـ ازدهار الصنائع: