فهرس الكتاب

الصفحة 4850 من 23694

بيد أن الميل إلى الرفه والترف يتطلب حاجات كمالية، والإقبال على هذه الحاجات من شأنه أن ينشط الصنائع التي تنتجها؛ وأن يشجع الصناع الذي يصنعها على الإكثار منها. يقول ابن خلدون في ذلك:"وتقع فيها كثرة التفنن في أنواعها وأصنافها، فتكون بمنزلة الصنائع؛ ويحتاج كل صنف منها إلى القومة عليه، والمهرة فيه. وبقدر ما يتزيد من أصنافها، يتزيد أهل صناعتها، ويتلون ذلك الجيل بها. ومتى اتصلت الأيام، وتعاقبت تلك الصناعات، حذق أولئك الصناع في صناعتهم، ومهروا في معرفتها؛ والإعصار بطولها وانفساح أمدها، وتكرر أمثالها، تزيدها استحكامًا ورسوخًا (45) ".

وهذا يبين أن الميل إلى الرفه والترف يؤدي إلى ازدهار الصنائع وتنوع فنونها، ورسوخها رسوخًا قويًا بتراخي الزمن.

جـ ـ ازدياد الترف وانتشار الفقر:

لكن الترف يولد المزيد من الترف؛ فالصنائع التي كانت وليدة الحاجة إلى الترف لا تلبث أن تصبح عاملًا في المبالغة في درجة درجة، إلى أن يصل إلى غايته. وهنا يضع ابن خلدون يده على حقيقة نفسية تدل على نفاذ بصيرة بالنفس الإنسانية، وعلى تعليل في غاية الدقة. فأصغِ إليه وهو يقول:"وإذا بلغ التآنق في هذه الأحوال المنزلية الغاية، تبعه طاعة الشهوات، فتتلون من تلك العوائد بألوان كثيرة، لا يستقيم حالها معها في دينها ولا ديناها (46) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت