فهرس الكتاب

الصفحة 4851 من 23694

بيد أن نزعة التأنق هذه ـ التي هي وليدة الميل إلى الرفه ـ لا تلبث أن تأخذ مجراها في مجاري الحياة الاجتماعية؛ فتخضع عندئذ لمنطقها القسري، فيتساقط التجار واحدًا بعد واحد في هوة الفقر. ويصف ابن خلدون الآلية التي يخضع لها الميل إلى الترف في المجتمع، فيقول:"وبيانه أن المصر بالتفنن في الحضارة تعظم نفقات أهله. والحضارة تتفاوت بتفاوت العمران؛ فمتى كان العمران أكثر، كانت الحضارة أكمل. وقد كنا قدمنا أن المصر الكثير العمران يختص بالغلاء في أسواقه وأسعار حاجته؛ ثم تزيدها المكوس غلاء؛ لأن الحضارة إنما تكون عند انتهاء الدولة في استفحالها، وهو زمن وضع المكوس في الدول، لكثرة خرجها حينئذ، كما تقدم، والمكوس في الدول، لكثرة خرجها حينئذ، كما تقدم؛ والمكوس تعود على البياعات بالغلاء؛ لأن السوق لأن السوق والتجار كلهم يحتسبون على سلعهم وبضائعهم جميع ما ينفقونه، حتى مؤونة أنفسهم؛ فيكون المكس لذلك داخلًا في قيم المبيعات وأثمانها؛ فتعظم نفقات أهل الحضارة، وتخرج عن القصد إلى الإسراف؛ ولا يجدون وليجة عن ذلك، لما ملكهم من آثر العوائد وإطاعتها؛ وتذهب مكاسبهم كلها في النفقات، ويتتابعون في الإملاق والخصاصة؛ ويغلب عليهم الفقر؛ ويقل المستامون للمبايع؛ فتكسد الأسواق؛ ويفسد حال المدينة. وداعية ذلك كله إفراط الحضارة والترف. وهذا مفسدات في المدينة. على العموم، في الأسواق والعمران (47) ".

وبذلك تنتهي الحضارة إلى ازدياد عدد الفقراء باستمرار، مقللة عدد الموسرين يومًا بعد يوم؛ فلا يبقى منهم في النهاية إلا ذوو السلطان. ونحن نرى في هذا التحليل لأوضاع المجتمع والاقتصاد، نظرة نفاذة، لا تضارعها في نفادها غير نظرة ماركس، حينما حلل الأزمات الاقتصادية التي تنتاب النظام الرأسمالي، على الرغم من تفاوت عصريهما، وتباين المعلومات لدى كل منهما.

(2) فساد الأخلاق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت