فهرس الكتاب

الصفحة 4852 من 23694

لكن الأمر لا يقتصر على الأحوال الاقتصادية؛ إذ إنه يجر معه الأحوال الأخلاقية: فهناك ارتباط بين هذه وتلك؛ لأن حال الحضارة في العمران، حينما تصل إلى هذا الحد، لا بد أن يتبعها فساد الأخلاق، وانتشار الشرور. ويكون ذلك في بداية الأمر، في طريق تحصيل المعاش. يقول ابن خلدون:"وأما فساد أهلها في ذاتهم، واحدًا واحدًا على الخصوص، فمن الكد والتعب في حاجات العوائد والتلون بألوان الشر في تحصيلها، وما يعود على النفس من الضرر بعد تحصيلها، بحصول لون آخر من ألوانها. فلذلك يكثر منهم الفسق والشر والسفسفة والتحيل على تحصيل المعاش من وجهه وغير وجهه. وتنصرف النفس إلى الفكرة في ذلك، والغوص عليه، واستجماع الحيلة له. فتجدهم أجرياء على الكذب والمقامرة والغش، والخلابة أو السرقة، والفجور في الإيمان، والربا في البياعات، ثم تجدهم أبصر بطرق الفسق ومذاهبه، والمجاهرة به وبدواعيه، واطراح الحشمة في الخوض فيه، حتى بين الأقارب وذوي المحارم، الذين تقتضي البداوة الحياة منهم في الأقذاع بذلك. وتجدهم أبصر بالمكر والخديعة، يدفعون بذلك ما عساه ينالهم من القهر، وما يتوقعونه من العقاب على تلك القبائح؛ حتى يصير ذلك كله عادة وخلقًا لأكثرهم (48) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت