فهرس الكتاب
بيد أن فساد الأخلاق لا يقتصر على محصلي معاشهم؛ بل يتعداهم إلى أهل الحسب والنسب من ذوي البيوتات الرفيعة. يصف ابن خلدون ذلك قائلًا:"ويموج بحر المدينة بالسفلة من أهل الأخلاق الذميمة؛ ويجاريهم فيها كثير من ناشئة الدولة وولدانهم، ومن أهمل عن التأديب، وغلب عليه خلق الجواري، وإن كانوا أهل نسب وبيوتات، وذلك أن الناس بشر متماثلون؛ وإنما تفاضلوا وتميزوا بالخلق واكتساب الفضائل واجتناب الرذائل. فمن استحكمت فيه الرذائل بأي وجه كان، وفسد خلق الخير فيه، لم ينفعه زكاء نسبه، ولا طيب منبته. ولهذا تجد كثيرًا من أعقاب البيوتات، وذوي الأحساب والأصالة، وأهل الدول، منطرحين في الغمار، منتحلين للحرف الدنية في معاشهم، بما فسد من أخلاقهم، وتلونوا به من صبغة الشر والسفسفة (49) ".
وهكذا تنتهي الحضارة إلى فساد الأخلاق، كما انتهت إلى فساد وجوه المعاش، ووقوع الناس في هوة الفقر؛ بل إن فساد الأخلاق ليس إلا نتيجة لفساد وجوه المعاش وانتشار الفقر.
(3) انهيار الحضارة: