فهرس الكتاب
ولا تكاد الحضارة تبلغ هذا المبلغ، حتى تشرف على نهايتها وتحمل عناصر الخراب المودية بها. وذلك لأن الناس يبدؤون بإهمال بعض الأعمال، ولاسيما ما كان منها معدودًا في الترف والرفه. وفي هذا قضاء على الحضارة، وقضاء على العمران. يصف لنا ابن خلدون ذلك فيقول:"وإذا كثر ذلك في المدينة أو الأمة، تأذن الله بخرابها وانقراضها،... ووجهه حينئذ، أن مكاسبهم لا تفي بحاجاتهم لكثرة العوائد ومطالبة النفس بها؛ فلا تستقيم أحوالهم. وإذا فسدت أحوال الأشخاص واحدًا واحدًا، اختل نظام المدينة وخربت.. حتى إن كثيرًا من العامة يتحامى غرس النارنج بالدور، وليس المراد ذلك، ولا أنه خاصية في النارنج، وإنما معنا أن البساتين وأجرار المياه هو من توابع الحضارة ثم إن النارنج والليم والسرو وأمثال ذلك، مما لا طعم فيه ولا منفعة، هو غاية الحضارة؛ إذ لا يقصد بها في البساتين إلا أشكالها فقط؛ ولا تغرس إلا بعد التفنن في مذاهب الترف. وهذا هو الطور الذي يخشى معه هلاك المصر وخرابه، كما قلناه (50) ".
ومن هنا كانت غاية العمران هي الحضارة؛ وكانت غاية الحضارة هي الترف. بيد أن الترف لا يلبث أن ينتهي إلى الفساد؛ إذ إنه لا يكاد يبلغ غايته، حتى ينقلب إلى إفساد. وعندئذ تأخذ الحضارة بالهرم وتذوي؛ ويهرم العمران معها ويذوي؛ شأنها في ذلك شأن الحيوان في إعماره الطبيعية؛ إذ إن للحضارة والعمران إعمارًا كما للحيوان سواء بسواء (51) "."
خاتمة ـ نقد وتقدير