فهرس الكتاب
تلكم هي آراء ابن خلدون في الاقتصاد، بل في علم الاجتماع الاقتصادي، كما استقرأناها من"مقدمته". وهي آراء لا تخلو من جدة ونفاذ نظر؛ لاسيما إذا نظرنا إليها في الإطار التاريخي والحضاري الذي كتب فيه ابن خلدون. لاشك أن علم الاقتصاد تجاوز اليوم هذه الآراء؛ وكذلك علم الاجتماع الاقتصادي. ولكن يجب علينا أن لا ننسى، أنه انقضى الآن على فراغ ابن خلدون كتابة"مقدمته"ستة قرون ونيف. ونعتقد أنه يكفي المرء أن يعلم، أن ابن خلدون تطرق إلى المسألة الاقتصادية، حتى يدرك العبقرية الفذة التي كان يتمتع بها؛ وأنه يكفيه أن يعلم فضلًا عن ذلك، أنه درسها في سياقها الاجتماعي، حتى يزداد تقديره لهذه العبقرية.
ولكن هذا الكلام ليس كافيًا، ولابد لنا أن نتجاوز التعميم إلى التخصيص؛ فنحاول بيان النقاط التي ارتكزت عليها عبقريته في نطاق البحث الاقتصادي الاجتماعي. ويمكننا أن نلخصها فيما يلي:
أولًا ـ قد يكون من باب التكرار غير الممل أن نلح على أن نظرة ابن خلدون كانت تنظر إلى اقتصاد في سياقه الاجتماعي: وهذا ما نراه في رأيه في اختلاف أحوال الأجيال باختلاف نحلهم من المعاش؛ وفي رأيه في الفرق بين البدو والحضر الذي هو فرق في انتحال الزراعة أو انتحال الصنائع؛ وفي رأيه في أن نمو الأعمال واختلافها تابعان لنمو العمران وتنوعه؛ وفي رأيه في اختلاف قيمة العمل مرتبط بدرجة اختلاف العمران؛ وفي رأيه في أن فساد الحياة الاقتصادية يؤدي إلى فساد الأخلاق.
ثانيًا ـ لقد رأينا أن ابن خلدون يعطي العمل قيمة كبيرة في الأشياء، حتى تلك التي تبدو في الوهلة الأولى أنها هبة من السماء؛ مثل الحليب والثمر والمعدن. وهذا جوهر نظرية كارل ماركس في العمل. غير أن ماركس يمذهب العمل ويعطيه القيمة الأولى في الأشياء؛ على حين أن ابن خلدون يقف عند حدود سرد الوقائع. وهذا أقرب إلى الروح العلمية؛ لأن المذهبية فلسفة.