فهرس الكتاب
ثالثًا ـ ومع ذلك لا يقف التشابه عند هذا الحد بين ابن خلدون وماركس؛ إذ إن تفريق ابن خلدون بين العمل وناتج العمل لا يختلف كثيرًا عن تفريق ماركس بين العمل وقوة العمل. فيما يفيده الإنسان ـ في نظر ابن خلدون ـ من اقتناء الصنائع، هو قيمة العمل المبذول في صناعتها؛ إذ ليس هناك إلا العمل، ولكنه ليس مقصودًا بنفسه للقنية. وكذلك نجد عند كارل ماركس، أن ما يبيعه العامل للرأسمالي هو قوة عمله لا عمله ذاته. والحقيقة، أن الاختلاف بينهما في المصطلح المستخدم في التعبير، لكن الفكرة واحدة؛ لأن قوة العمل تؤدي إلى ناتج العمل؛ ولأن ناتج العمل ليس إلا تجسيدًا لقوة العمل.
رابعًا ـ رأينا في آراء ابن خلدون عن رخص الحاجات الضرورية وغلاء الحاجات الكمالية، نواة قانون العرض والطلب الذي يعتمد عليه الاقتصاد الرأسمالي؛ وأنه إذا لم ينص عيله في صورة قانون صريح، فإن هذا القانون متضمن في عرضه للأحوال التي تطرأ على هذه الحاجات. وقد بينا في تحليلنا هذا الكلام، كيف أن توافر الحاجات الضرورية في الأمصار الكبيرة، يعني أنها معروضة لكل طالب؛ وأن هذا العرض هو سبب رخصها؛ وأن عدم توافرها في الأمصار الصغيرة، يعني أنها محجوبة عن كل طالب؛ وأن هذا الحجب هو سبب غلائها. وواضح أن هذا يتضمن جوهر قانون العرض والطلب.
خامسًا ـ رأينا أن ابن خلدون ربط بين العمل والجباية والعمران؛ ودعا إلى تقليل الوزائع المفروضة على الناس؛ ليشجعهم ذلك على العمل. وهذا يعني، أن جوهر الحياة الاجتماعية هو الاقتصاد. وهذا ما تلح عليه المذاهب الاقتصادية الحديثة؛ ولاسيما الماركسية. غير أن ابن خلدون ينادي بترك حرية العمل للناس، وعند تدخل الدولة في شؤونهم الاقتصادية؛ في حين تنادي الماركسية بالتدخل وإشراف الدولة على الاقتصاد.