فهرس الكتاب

الصفحة 4857 من 23694

لكن القصد عند كل منهما كان واحدًا، فكلاهما كانا يتطلعان إلى العدالة الاجتماعية؛ وإن كان ذلك من زاويتين مختلفتين: فابن خلدون كان يرى التاجر واقعًا تحت رحمة السلطان وجبايته؛ وهذا ينعكس على أصحاب الحرف الذين يتاجر بإنتاجهم والذين تسوء أحوالهم وتنعكس على سواهم، حتى تعم المصر، وتضر بسير الأعمال على اختلافها؛ فيؤدي ذلك كله إلى الإخلال بالعمران وخرابه؛ في حين كان ماركس يرى طغيان الرأسماليين والصناعيين على العمال، وانتزاع جهودهم ظلمًا بتكديس فضل القيمة، وتحويلها إلى جيوبهم حينًا، وتوسيع مشروعاتهم حينًا آخر؛ فأراد أن ينصف العمال منهم، بتأميم رأس المال، وجعله ملكًا للمجتمع وللطبقة الكادحة.

قد يبدو في الوهلة الأولى، أن هناك اختلافًا بين نظرية ابن خلدون ونظرية ماركس. ولكنه اختلاف ظاهري لابد للمتأمل المدقق من أن يتجاوزه: إذ إن ابن خلدون يرجع سبب الظلم الاجتماعي إلى الجباية وإلى السلطان؛ في حين أن ماركس يرجعه إلى فضل القيمة وإلى الرأسمالي. ولكننا حينما نربط بين نظرية ماركس في الاقتصاد ونظريته في السياسة من حيث هي بنية فوقية للأوضاع الاقتصادية؛ أي من حيث أن السياسة تعبير عن مصالح طبقة الحكام، وهي طبقة الرأسماليين هنا، زال الفرق بين النظريتين، وتبين أنهما نظرية واحدة: إذ إن العلاقة تبقى علاقة اقتصاد بالحكام. ومع ذلك، إن هناك فارقًا بين النظريتين، وهو يتلخص في أن نظرية ابن خلدون مجملة، في حين أن نظرية ماركس أتت أكثر تفصيلًا. بيد أن الإنصاف يقتضينا أن نذكر، أن هذه التفصيلات هي انعكاس لتطور الحياة الاقتصادية وتزايد تعقدها، مما يجعل أمر إغفالها عند ابن خلدون طبيعيًا؛ وأمر بروزها عند ماركس طبيعيًا أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت