فهرس الكتاب
وهو يفتتح به قصائد المديح على الوجه الأعم، ونادرًا ما يستعمله في الفخر والحماسة، ويسير في هذا النوع من الغزل سيرة من سبقه من الشعراء الجاهليين والأمويين والعباسيين، متأثرًا خطاهم ناسجًا على منوالهم من حيث الطريقة المتبعة في المقدمات الغزلية، لا من حيث السبك الفني الراقي، فيقف على الأطلال الدوارس والآثار والمعفاة، فيناجيها ويستنطقها، ويبثها حرقة قلبه ونوزاع نفسه ويبكي أمامها مستعطفًا، شاكيًا، ويستعيد معها الذكريات الخوالي وأيام الأنس والصفاء:
لا تخش يا ربع الحبيب همومًا
وليفنين ثراك عن صوت الحيا ... صوب المدامع إن طلبت مزيدا
كم غادرت بفناك يوم وداعنا ... سحب المدامع منهلا مورودا
ولكم سكبت عليك وافر أدمعي ... في ذلك اليوم الطويل مريدا
ثم ينتقل ليصف الحور الحسان اللواتي كان يلتقيهن في هذا الربع، بأنهن أخجلن زهر الأقحوان وضاهين شقائق النعمان، وبأن أردافهن ثقيلة، وقدودهن مياسة، وبعدها يصل إلى وصف أناته العاشقة وسقم جسمه، وسهد جفنيه، مترقبًا زيارة الحبيبة: ... منها فلم أر للصباح عمودا
كم قد سهرت الليل أرقب زورة
ورعيت أنجمه فأكسبت السها ... سقمي وأكسب جفني التسهيدا
وحملت أعباء الغرام وثقله ... فردًا وحاربت الزمان وحيدا
ويلاحظ في غزل صفي الدين الحلي الصناعي، تضخم (الأنا) عنده، وانتفاخ الشخصية، فهو كثيرًا ما يخاطب مجموعة من النساء، لا امرأة واحدة، ولعله يفعل ذلك حتى يظهر أنه عاشق مرغوب، أو معشوق مقصود أو لعله يفعل ذلك حتى يؤجج نار الغيرة في صدر محبوبته، إن كان له محبوبة معينة أو لعله يفعل ذلك حتى يمد نفسه الشعري ويطيل المقدمة الغزلية، ليرضي ممدوحه ويكسب ثناءه، وليتخلص من جدب عواطفه وتكرارها، وليستر هذا الجدب بأنواع من الحلية اللفظية: ... فجعلن حبات القلوب ذوائبا
أسلبنَ من فوق النهود ذوائبًا
وسفرنَ لي فرأين شخصًا حاضرًا ... شدهت بصيرته وقلبًا غائبًا
أشرقن في حلل كأن وميضها ... شفق تدرعه الشموس جلاببا