فهرس الكتاب
وصفي الدين الحلي لم يعان مثل هذه التجربة، ولم ينفرد لامرأة بعينها، نقول هذا بعد أن طالعنا كل شعره الغزلي، فلم نر فيه اندفاعًا قلبيًا نحو محبوبة بالذات، ولا وجدًا معربدًا ينم عن صبابة، وشاعر كهذا لم تحرك أعماقه تجربة الحب، ولا يمكن أن يقول غزلًا عاطفيًا حارًا، نابعًا عن فؤاد مدنف، ونادرًا ما نقع عنده على قطعة تشع بعاطفة صادقة، وانفعال هائج، كقوله يتذكر ويناجي ديار الحبيبة:
يا ديار الأحباب بالله ماذا
أخلقتها يد الجديدين حتى ... نكرت من رسومها الأعلام
قد شهدنا فعل البلى بمغانيـ ... ـك ودمع الغيوم فيك سجام
واقترضنا منها الدموع فقالت ... كل قرض يجر نفعًا حرام
وهو حقًا يذكر في شعره ما يقع للأحباب من وصل وصد، وسهر في الليل وحزن في النهار، ولوعة في البعد وفرحة في القرب، ولهفة اللقاء، وخوف من الفراق، إلا أن هذا كله يأتي على شكل مسطحات فكرية صناعية، لا نصيب فيها لوقدة الشعور وتوهج الحنايا، وإنما يغلب عليها الافتعال والتقريرية المباشرة. ... جيوش الحسن منه بعارضين
وليس هذا بمستغرب، فقد خمدت العواطف في هذا العصر، خمودًا محزنًا، وأنشدّ الشاعر نحو ظواهر الشعر وعاف بواطنه وأًصبح كما قلنا من قبل ينظم بعقله أكثر مما ينظم بقلبه، وهذا لا يمكن لعاطفة باردة خامدة سقيمة أن تفجر شعرًا حارًا مندفعًا صحيحًا.
آخر من بني الأعراب حفت
تلاحظ سوسن الخدين منه ... فيبدلها الحياء بوردتين
3 ـ غزل ماجن: ... ـب وأفضى إليه ملك العزيز
وجدنا دراستنا لأنواع الغزل في الشعر العربي، أن الغزل الماجن قد فشا وشاع في العصر العباسي شيوعًا عظيمًا، وأن هذا الغزل تناول المذكر مخاطبًا له، وموضوعًا لبثه الغرام والحنين والشكوى ومادة لوصف مواطن الجمال والحسن فيه.