فهرس الكتاب
وقد استمرت هذه البدعة في الدورين الأخيرين من أدوار العصر العباسي، وانسحبت حتى عصور الانحطاط، ومارسها الشعراء بإلحاف، وتابعهم في ذلك شاعرنا صفي الدين الحلي ونستطيع أن نقول أن غزله مشطور شطرين، شطر في النساء وشطر في الغلمان وهو في غزله الغلامي بارع متفنن، متعدد الأغراض متنوع الأساليب، ظريف التناول، كثير التساؤل، ويمكننا أن نقسم غزله في الغلمان إلى قسمين: الأول لا يجانب فيه الأخلاق والذوق، والثاني يجانب فيه الأخلاق والذوق. فأما القسم الأول فيدور على وصف الغلمان ومخاطبتهم، ومناجاتهم والتغزل بهم تغزلًا تظهر فيه العاطفة أكثر من ظهورها في غزله النسائي.
ونستطيع أن نجمل آراءه في هذا القسم بالملاحظات التالية:
أ ـ معظم غلمان صفي الدين الحلي، يحملون أسماء أنبياء كيوسف وسليمان وداود وموسى وإبراهيم، ويستغل شاعرنا هذه الأسماء في شعره استغلالًا حسنًا، فيستفيد من معاني التسمية وما تحمله من دلائل كقوله في غلام اسمه يوسف:
يا سمي الذي به اتهم الذئـ
لو تقدمت مع سميَّك لم يمـ ... ـس فريدًا في حسنه المنبوز
(والمنبوز بالزاي هنا بمعنى المتعارف) . ... ـن وجاءت بعرشها بلقيس
وقوله في غلام اسمه سليمان:
يا سمي الذي دانت له الجـ
غير بدع إذا أطاعت لك الأنٍ ... ـس وهامت إلى لقاك النفوس
وقوله في غلام اسمه إبراهيم: ... مًا له نجله بذبح عظيم
يا سمي الذي فدى الله إكرا
لو تمكنت لافتديت تدانيـ ... ـك بسوداء مهجتي والصميم
ب ـ لا يصف الشاعر غلمانه ويتغزل بهم في حالة الصحة فقط، وأجواء الانطلاق والسرور، بل يصفهم ويتغزل في حالة المرض أو التمارض المعتمة، فمن هذا قوله في غلام متمرض: ... ولا سرى في سوى الحاظك المرض
لا حال في جوهر من جسمك العرض
حوشيت من سقم في غير خصرك أو ... في موعد لك في أخلافه غرض
فتور نبضك من عينيك مسترق ... وضعف جسمك من جفنيك مقترض
وقوله في غلام رمد: ... أصر على كسر القلوب انكسارها
وما رمدت عيناك إلا لفرط ما