فهرس الكتاب
هذا ونجد معظم الموسوعات الأدبية كالأغاني ونهاية الأرب والعقد الفريد وعيون الأخبار وزهر الآداب تناولت الشيب والتعمير وذكرت ألفاظًا وعبارات تدل عليهما بأساليب مختلفة كما انتثر فيها الكثير من الأشعار والروايات التي تعرض لهما. ولكن الكتاب الذي خصص مؤلفه جميع صفحاته لأقوال المعمرين الذين عاشوا في العصر الجاهلي وصدر الإسلام وروى أخبارهم هو (المعمرون والوصايا) (9) لأبي حاتم السجستاني المتوفى سنة 250 هـ 844 م. وهو عالم لغوي امتهن الوراقة ودرس على الأخفش وجلس إلى العلماء ثم صار أستاذًا يأخذ عنه التلاميذ وكان من بينهم أبو العباس المبرد واضع كتاب الكامل وكذلك روى عنه أبو بكر بن دريد.
ولابد أنه وضع الكتاب بعد أن جاوز سنًا معينة وداخلته مشاعر الكبر والتعمير. والكتاب مختارات جمعها من كتب الأدب العربي القديم المعروفة آنذاك والروايات المتناقلة في زمانه ووصف فيها ما يلقى الطاعنون في السن من عنت ومشقة حين يرسفون في قيود الشيخوخة فتكتئب الدنيا من حولهم بعد فرح وتخنع هممهم بعد سطوة وفتوة وسيادة. فما إن تشع البشائر البيضاء في الرؤوس حتى تنطلق الألسنة بمختلف العواطف المتناقضة من الخوف والألم إلى التسليم والرضى.
والمرء يعجب لأطوال الأعمار المذكورة في الكتاب إذ إن العلم الحديث يثبت أن الإنسان لا يمكن أن يجاوز المئة والخمسين على أكثر تقدير ولكن ربما لم يدون العرب تاريخهم بالشهور والسنين إلا متأخرين. وتحديد أعمار المعمرين كما وردت في الكتاب مبالغ فيه جدًا ولا يدل على سني حياتهم بالضبط بل على طولها واستمرارها بالنسبة إلى الآخرين. وربما كانت الوحدة الزمنية التي يقيسون بها غير ما نعرفه اليوم فقد تكون موسمًا أو فصلًا أو ما شابه ذلك.
ثم إن الزمان المنصرم قد يهول الأمور الماضية عند روايتها أو يقلل من شأنها وقد يطوي صفحًا عنها.