فهرس الكتاب

الصفحة 5045 من 23694

وعلى هذا، فالتحريم في الإسلام ـ كما ترى ـ إحدى الوسائل الناجعة التي اتخذها لتدبير فاعلية الإنسان في رفعة القواعد من الحضارة الإنسانية، فلم يكن التحريم إذن مصادرة للإرادة الإنسانية الحرة، أو تعويقًا صادًَّا لها عن تحقيق الذات الإنسانية الكاملة، أو اعتقالًا لملكاته أن تُعبر عن وظائفها التي خُلقت من أجلها، ولم يكن التحريم أيضًا ـ كما يقال ـ تضييقًا على الناس في معايشهم، ولا إيقاعًا لهم في العنت (48) والحرج (49) ، ولا افتئاتًا على مصالحهم الجدية المعقولة أو إهدارًا لها، ولا صدًا لهم عن مشتهياتهم، ولا حرمانًا من أطايب الرزق (50) ، التي خلقها الله لهم، كل ذلك دعاوى متهافتة لا تصمد أمام النقد النزيه، والتحليل العلمي الصحيح في ضوء تعاليم القرآن الكريم، لما قد عرفت من أن"التحريم ضرب من التدبير والتوجيه الإلهي الحكيم، أفرغه في تشريع آمر وملزم وقاية للإنسان نفسه من أن تستبد به الشهوات، نتيجة لجموح غرائزه الدنيا وطغيانها، بحيث يرفعها فوق كرامة ذاته، بل فوق مُثُله وقِيَمه، وحينئذٍ تتملكه"الغفلة"عن حقائق هذا الوجود، ولا ريب أن"الغفلة"فقدان الوعي للذات الإنسانية، بما يصرف عن العمل الصالح، وتقدير قيمته، ومبلغ أَثَرِهِ، وهذا شرُّ ما تُمنى به النفس البشرية من"نكسة"مما يطلق عليه القرآن الكريم كلمة"الخَسار"أو"الخُسْر"تارة، في مثل قوله تعالى: (والعَصْرِ إنَّ الإنسان لفي خُسْرٍ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات (( 51) .، وقوله تعالى: (ولا يزيدُ الظالمين إلا خسارًا (( 52) . وطورًا يطلق عليه"نسيان النفس"في مثل قوله تعالى: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم (( 53) ، وكلها معان تدور حول فقدان الوعي للذات الإنسانية الكاملة، ولمعنى هذا الوجود."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت