فهرس الكتاب
على أن ما يقال من أن"التحريم"صَدٌّ للنفس عن مُشتهياتها، يدحضه قوله تعالى: (يُحل لهم الطيبات، ويُحَرِّم عليهم الخبائث (( 54) ، وليس في"الخبائث"، شيء يُشتهى، لا عقلًا ولا طبعًا، وفي تعبير القرآن العظيم، بلفظ"الخبائث"إيحاء قوي، ولفت للعقل إلى طبيعة المحرمات من أنها تحمل في طياتها بذور خُبثها وفسادها، مما يجدر بالإنسان العَقُول الواعي، أن يُحرم هذه"الخبائث"، على نفسه عقلًا، قبل أن يحرمها الله عليه شرعًا، وفي هذا إيماء أيضًا إلى أن"حكمة العقل لا تنافي أحكام الشرع".
على أن في قوله تعالى: (قُلْ من حَرَّمَ زينةَ الله التي أَخْرَجَ لعباده، والطيباتِ من الرزق، قل هي للذين آمنوا(.(55) ، إشارة إلى أن في"الطيبات غُنْيَةٌ عن الخبائث"، إذ لا يتعلق بالخبائث قصد معقول، ولا مصلحة حقيقية.
وعلى هذا، فالمعاني التي قام عليها"التحريم"في الإسلام ـ كما ترى ـ تستوجب الانكفاف التلقائي، أو الانتهاء الذاتي بحكم العقل، والطبع السليم، قبل أن يستوجبه نهي الشرع، ولكن ليس معنى هذا أن حكم العقل مُقدم، بل المراد أن كل ما جاء في الشرع، لا نجد له في منطق العقل ما ينافيه!!