فهرس الكتاب
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 20 - السنة الخامسة - تموز"يوليو"1985 - ذو القعدة 1405
فهرس العدد
وعلى هذا، فقد أضحى جليًا ـ فيما نحسب ـ أنَّ الأعراف والتقاليد الموروثة المستقرة، محكومة دائمًا بمعايير هذا التشريع، يصطفى منها ما تقره أصوله الثابتة، وبذلك حال دون تأثير الأعراف الفاسدة التي استقرت في النفوس حتى مَرَدَتْ عليها ـ استهواء أو تواضعًا ـ أقول: حال دون تأثيرها في مقومات البنية المعنوية للأمة، ولاسيما إذا كانت تشكل عائقًا في سبيل تقدمها الحضاري، وفتح ـ في الوقت نفسه ـ باب"الأعراف الصحيحة"المفيدة على مصراعيه، رفعًا للحرج عن الناس، لأن نزع الناس عن أعرافهم الصحيحة، إيقاع لهم في العَنَت والمشقة البالغة، وحائل دون تمكينهم من تحصيل مصالحهم الحقيقية المشروعة، إذ كل عُرْفٍ لا يتواضع الناس عليه ولا يرضَون باتخاذه"حَكَمًَا"، فيما بينهم في تعاملهم، إلا إذا كان يستند أساسًا إلى"مصلحة"يتوخَّوْنها، لِمَا تَمسُّ حاجتهم إلى تحقيقها، والشارع لا يُقرُّ عرفًا مهما كان مستحكمًا في النفوس إلا إذا كانت"المصلحة"التي يستند إليها تحافظ فعلًا على مقصود الشرع، وبذلك كان"العرف الصحيح المعتبر"عنصرًا هامًا من عناصر التطور في التشريع الاجتهادي في الفروع، وأسلوبًا إيجابيًا يصون النفوس من أن تستهويها الأعراف والتقاليد المنكرة.
نخلص من هذه"المقدمة"إلى تناول عناصر هذا البحث تفصيلًا، غير أن هذا"الموضوع"لما كان متعلقًا بأساليب القرآن الكريم في معالجة النفس الإنسانية، وتوجيه قواها، وتنمية هذه القوى والملكات، فقد أضحى لزامًا أن نتناول بالبحث ـ بادئ ذي بدء ـ"طبيعة الفطرة الإنسانية"كما يصورها القرآن الكريم في جملة من آيِهِ، إذ لابدَّ في المعالجة من تشخيص الشيء الذي يُراد معالجته ابتداءً، ليُرى مدى ملائمة الأسلوب المتخذ لذلك ونجاعته!..