فهرس الكتاب
وتفصيل ذلك: إن الإنسان ـ بمعناه الاستغراقي العام ـ ظلوم لنفسه، من قِبَلِ أنه يدرك"قيم"هذا التكليف، ومبادئه السامية، ومقاصده الرفيعة التي تنهض بقيمة الحياة الإنسانية أو بإمكانِهِ ذلك، ولكنه ـ على الرغم مما أوتي من علم، أو إمكانية التعلُّم ـ يحمل نفسه على مجافاة تلك"القيم"ليهدم مصالحه، ومصالح الإنسانية جمعاء، مما يؤول بالآخرة إلى إهدار هذه القيم والمبادئ، ونقض أُسس الحياة الإنسانية الفاضلة، عن عمد، وتصميم، فالأناسي بوجه عام إذن، ظالمون لأنفسهم أشد الظلم، وأقبحه، حين يهبطون بها إلى دركات المذلة، والهوان، ويحرمونها حقها في الارتقاء والتسامي في معراج المجد والرفعة، ليبلغوا بها المستوى الأعلى الذي قُدِّرَ لها أن تبلغه في حدود سعتَها وطاقاتها ـ لو استقاموا ـ ولا يُعقل أن تكون تلك الطاقات قد فطرت على النقيض من تلك القيم، إذن لاستحالة التكليف، لمنافاة الوسيلة لغايتها، ومن هنا جاءت الإشارة إلى هذا المعنى بقوله سبحانه: (فأقم وجهك للدين حنيفًا، فطرة الله التي فطر الناس عليها (( 112) وبقوله عزَّ وجل: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها (( 113) ، وما دام ذلك لا يُمكن أن يتم إلا عن طريق مقومات وملكات هذه الفطرة من العقل، والنفس، والروح، والغرائز، والاستطاعة، والإرادة الحرة التي هي مكونات"الذات الإنسانية"أعدَّها الله تعالى فطرةً في الأناسي، ليتمكنوا من أداء هذا الواجب الباهظ التكاليف، تكوينًا للوسيلة، وتشريعًا للغاية معًا، وعلى غاية من الانسجام والامتزاج المؤتلف بينهما ـ على ما أسلفنا ـ أقول ما دام الأمر على ما بيَّنا، فإن هذا"الوصف"ـ فضلًا عن كونه تصويرًا للواقع المؤلم بما يستوجب من تقبيح وازدراء ـ هو في الوقت نفسه ـ معالجة عملية بالغة المدى في المعقولية، والمثالية، على حد سواء، إذ لا يتأتى منطقيًا، ولا عمليًا، ولا واقعيًا، تحقيق غاية ما، إذا لم تكن وسيلتها ملائمة ومتعينة لمقتضياتها، وناجعة