فهرس الكتاب
هذا، وإلحاح الإمام الزمخشري على التشبيه أو المجاز، الذي عبر عنه بِـ"الكأَنِّيَّة"ـ كما رأيت ـ تقرير لهذا المعنى بصورة آكد، فكانت على هذا المعنى المجازي، نقائض عارضة، لا جوهرية فطرية، بل تشكل افتئاتًا على الفطرة نفسها، وتنافي مقتضياتها، لعوامل قد سبق بيانها، ونظير هذا:
8 ـ وصف الإنسان بكونه (ظلومًا جهولا( ـ بصيغة المبالغة ـ في مورد حمله لأمانة التكليف ـ في قوله تعالى: (وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا(. إذ يُقصد بهذا الوصف ـ في الحقيقة ـ الإخبار أو التصوير لما سيقع فعلًا من معظم البشر عند وجوب أدائها، وإنفاذ تكاليفها الشاقة، من النكوص عن الامتثال، أو التهاون في أمر أدائها، أو من الانحراف الإراديّ عمدًا، عن جادة الحق التي رسمتها رسالة التكليف، تعنيفًا لهم، بإسباغ وصفي الظلم والجهل عليهم، حتى بلغا بهم شأوًا بعيدًا، وازدراءً بهم من شأنه أن يوقظ وعيهم لذواتهم، وهو ضرب من المعالجة النفسية، لردهم إلى أصل فطرتهم، مما لا علاقة لهذا ـ كما ترى ـ ببيان طبيعة الفطرة وجوهرها أصلًا، إذ ليست الآية الكريمة مسوقة لهذا الغرض، على ما تبين لنا، من مراد الشارع وقصده من سياق الآية الكريمة في موردها الذي بيَّنا، هذا، وقَصدُ تصوير حقيقة الواقع تعنيفًا وتقبيحًا ـ كما أشرنا ـ لا علاقة له ببيان أو تحديد الفطرة الإنسانية طبيعة وجوهرًا، ولم لا يكون هذا التعنيف والازدراء، على الخروج عن مقتضيات الفطرة، وتعاليم الدين؟؟...