فهرس الكتاب
وعلى هذا، أصبح جليًا ـ فيما نحسب ـ أن الفطرة الإنسانية قد خلصت للخير، طبيعة وجوهرًا، ومما يؤكد هذا المعنى من السنة أيضًا: قوله (: [كلُّ مولود يُولَدُ على الفطرة] ، أي خالصة، طاهرة، نقية، كالصفحة البيضاء، لا يشوبها شيء من التشويه والفساد، أو هي كالماء العذب الزلال، نقاء وصفاء وشفافية، أو كاللبن الصريح، أو العسل المصفى، فتعكير الماء ـ مثلًا ـ إنما يكون أثرًا لعامل خارجي عنه مؤثر فيه، ريحًا، أو طعمًا، أو لونًا، وكذلك اللبن والعسل، فسادهما ليس من ذات فطرتهما، فليس من الحق العلمي إذن أن يقال ـ إذا ما تعكر الماء، أو أَسِنَ، أو فسد اللبن والعسل ـ أن الفساد أصل في طبيعتها، أو هكذا خُلِقَت، لأن هذا ينافي الحق في أصل نشأتها الأولى، أو الشأن الذي فطرت عليه ابتداءً، وهو ما أشار إليه الإمام الزمخشري بالنسبة إلى الإنسان إذ يقول:"والدليل عليه، أنه حين كان في البطن، أو المهد، لم يكن به هلع"، أي منذ نشأته الأولى، أو خلقه الأول، قبل طروء العوارض.
وعلى هذا، يَردُّ الإمام الزمخشري ـ كما ترى ـ كل وصف توصف به النفس الإنسانية بصيغة المبالغة ـ إذا كانت نقيصة تُزري بصاحبها، تعنيفًا له، ومعالجة نفسية على انحرافه ـ أقول يردُّها إلى التشبيه والمجاز، ولا يأخذ بظاهرها اللغوي المتبادر، لإفادة معنى"التمكن والرسوخ، والعكوف، والدأب"، لا على أوصاف خلقية فطرية ضرورية لا اختيار فيها، حتى يقع التناقض بين وصفها بالخيرية، وبين وصفها بالنقائص أو النقائض، كلا ًّ على سبيل الحقيقة، لأن هذا لا يقع عقلًا ولا شرعًا، بل وينبغي أن يُنزه عنه كلام الله تعالى، وفعله، كما يقول الزمخشري، إذ"النقيضان لا يجتمعان"، على حد تعبير أهل المنطق، بل ثمة جوهر وعارض، كما بيَّنا.