فهرس الكتاب

الصفحة 5079 من 23694

هذا، وضرب القرآن الكريم مثلًا آخر لذلك أيضًا"المهاجرين والأنصار"ثناءً على تحقيق هذا الامتزاج المؤتلف ـ في غير الشخصية النبوية ـ حين جاهدوا أنفسهم، حتى بلغوا ذلك الشأو البعيد في سمو النفس، وقد كانوا جديرين حقًا بالثناء عليهم في محكم الكتاب العزيز، فأضحى قرآنًا يُتلى، تمجيدًا للأسوة والاقتداء، وإقامة للحجة على البشر في إمكانية تحقق هذا الامتزاج الكامل، في مثل قوله سبحانه: (والذين تَبَوَّأُوا الدارَ والإيمان من قبلهم، يحبُّون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أُوتوا، ويُؤْثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة (( 114) . وهذا ـ دون ريب ـ ضرب من المعالجة النفسية عن طريق إثارة الوجدان الديني للتأسي والاقتداء، وهو أسلوب من المعالجة الفعّالة المؤثرة بما تخلق إثارة العاطفة الدينية من حالة تأثيرية غلابة، في ميدان النفس الإنسانية من شأنها أن تحمل صاحبها على الوقوف"المواقف الجدية الحاسمة"في سبيل تحقيق الخير الأسمى، بحيث لا تقوى الشهوات الرخيصة، أو المطامع الشخصية المحدودة العارضة، وسائر الاعتبارات المادية، لا تقوى على الصد عن المضي في تحقيق ذلك المقصد الجلل الباقي أثره في الضمير الإنساني العام أبد الدهر، إذ الإيثار في العطاء قيمة إنسانية عظمى، ولاسيما مع الحاجة بل والخصاصة، وهو أمر لا تقوى على الارتقاء إلى مستواه إلا النفوس الكريمة، والهمم العالية ذات العزم الصادق، والغايات الإنسانية الرفيعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت