فهرس الكتاب

الصفحة 5082 من 23694

هذا، وإيراد هذين الوصفين المبالغ فيهما ـ من الظلم والجهل ـ في مورد التكليف وتحمل المسؤولية، مما ينطوي على التعنيف الشديد، فيه استنهاض لهمَّته أيضًا، لأنه يعمل جاهدًا على الاتصاف بنقيضيهما من"العلم والعدل"، وهما من أهم دعائم الحضارة الإنسانية، ذلك لأن من يوصف بالظلم والجهل، هو عَسِيٌّ أو حريٌّ أن يوصف بالعدل والعلم (116) ، بل هما من أصل ما تقتضيه الفطرة أيضًا، لأنها أعدت إعدادًا خاصًا لذلك، بل ما كُوِّنت تكوينًا خاصًا إلا لمثل هذه المهام العظمى، فكان الإنسان متمكنًا من ذلك بحكم الخلقة، وفي هذا معالجة لرد الإنسان إلى الأصل ـ كما ترى ـ وتعنيف له على الانحراف، كما هو ظاهر، لأن الانحراف إيثار النقيض بمحض الاختيار ـ على حد تعبير الإمام الزمخشري ـ ومنشأ ذلك، إضعاف العقل، وسائر قوى النفس، مما يورث خَوَرًا في العزم والإرادة، بفعل الإنسان نفسه، وآية ذلك، أنا لا نجد من الكائنات الحية أو غيرها، ما يصح أن يوصف بهذين الوصفين، أو نقيضيهما، إلا"الإنسان"فثبت إن إضفاء هذين الوصفين المناقضين لِمَا أُعدت له الفطرة في الأصل، أسلوب يقصد به التعنيف القوي له، أن يؤول به أمره إلى هذا المآل من الزراية، وضَعَةِ الشأن، وفقدان الوعي للذات الإنسانية، استنهاضًا لهمته أن يؤوب إلى الوضع الصحيح الذي فطر عليه، يؤكد هذا، قوله عزَّ وجلَّ: (واتقوا الله، ويعلمكم الله(، والمراد سيروا على مقتضى فطرتكم، وتوجيهات دينكم، اتقاءً لسوء المصير في دنياكم وآخرتكم، والله يُمدُّكم بعونه وتوفيقه، وبإرشاده إياكم إلى مسالك العلم، كما يعينكم على إقامة العدل، والقوامة عليه، والسهر على حراسته والإشراف على تنفيذه، في مثل قوله سبحانه:(ق) : (يا أيها الذين آمنوا، كونوا قوامين بالقسط شهداءَ لله، ولو على أنفسكم، أو الوالدين والأقربين (( 117) ، بل ترى القرآن الكريم لا يني يوجه النفس إلى أن تتضرع إليه سبحانه في الدعاء، للاستزادة من"العلم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت