فهرس الكتاب

الصفحة 5084 من 23694

وقوله تعالى: (كونوا قَوَّامين بالقسط(، فليس التكليف ـ كما ترى ـ بإنشاء عدل لم يكن، بل إقامة عدل قائم في أصول الدين، ومُسَقِرٍّ في طبيعة الفطرة فرقانًا على وجه التطابق، وقلنا آنفًا، أن كلمة"كونوا"أمرُ تكوين نفسي للإقامة، والقوامة، أي وطنوا أنفسكم على ذلك، كيلا يميل بكم الهوى أن تعدلوا، أو تنحرف بكم مصلحة ذاتية خاصة موقوتة عاجلة عن الاستجابة لحكم الشرع، ومنطق العدل، وصوت الضمير، كونوا موضوعيين في إقامة العدل، والإشراف على تنفيذه، وليس ثمة من منزلة يُتَصَوَّر أن يسمو إليها الإنسان، هي أرقى من أن يكون بيده ميزان العدل بين الخَلْقِ، يُقيمه بينهم بنزاهة وإخلاص، ونقاء ضمير، فانظر إلى هذا الشرف العظيم الذي يُوليه الله تعالى على هذا الإنسانَ، حيث أسند إليه هذه المهمة العظمى في هذا الوجود، ولهذا قلنا، إن الإنسان يظلم نفسه أشد الظلم وأقبحه، حين يحرمها حقها في الارتقاء والتسامي إلى ما تتعشق هي إليه، بحكم فطرتها، من بلوغ المستوى الرفيع الذي قُدِّرَ لها أن تبلغه، وهكذا نرى الإسلام يشرع الوسيلة والأسلوب، كما يحدد الغاية معًا، وعلى غاية من الانسجام والامتزاج المؤتلف ـ كما قلنا ـ إذ لا يتأتى تحقيق غاية ما في هذا الوجود، إذا لم تكن وسيلتها متعينة لها وملائمة، وناجعة لإنفاذها وتحقيقها، ثم هو أسلوب إيجابي لتبصير الإنسان بطاقاته، ووظائفها، ليكون استخدامه لها على نحو يحقق الغاية المتوخاة من أصل خلقها، وتكوينها، وإعدادها على هذا النظام الدقيق، والتقويم العجيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت