فهرس الكتاب
قبل أن أختتم هذه الأسطورة لابد من أن أشير إلى أن الأستاذين الكبيرين عبد المعين الملوحي والمرحوم محي الدين الدرويش قد ذهبا في تقديمهما لما جمعاه من شعر ديك الجن إلى أن هذا الشاعر ظلم ولم يعط حقه (45) . وإلى أنه كبير... وما إلى ذلك... وأنا أخشى أنهما كانا يكتبان ما يكتبان تحت وطأة حبهما للشاعر لمجرد كونه حمصيًا أو عاش في حمص.. إن ديك الجن لم يظلم فقد كتب عنه أبو الفرج الأصفهاني وحسبك بالأغاني شهرة وإشهارًا، وكتبت عنه كتب الأدب المختلفة، ووضع حيث يحسن أن يوضع... فأين الظلم وأين سوء الحظ... لعل الأستاذين كانا يريدان لديك الجن شهرة ومكانة تماثلان ما كان لأبي تمام أو المتنبي... وما صاحبهما كهذا ولا ذاك لقد قصر فقُصِّر به، ولكن أعطي حقه وفوق حقه... ولو أن شعر ديك الجن عثر عليه من أوله إلى آخره لما رفع من قيمة هذا الشاعر درجة واحدة.. لأن أجمل شعره قد تداولته كتب النقد والمختارات، وما تبقى فهو من سقط المتاع أو ما يوازي سقط المتاع، ولكن المجهول له بريق فليحلم من يحلم بالعثور على الديوان.. وقد يقال: أنى لك أن تحكم على أمر وهو في ظهر الغيب؟ وأقول: إن خبرتنا بتراثنا وطبيعة كتبه تجعلنا نقيس المجهول على المعلوم، وتساعدنا على معرفة قيمة كثير مما ضاع قياسًا على قليل مما بقي... وأظن أن في هذا ما يشجع على إطلاق بعض الأحكام.
هذه جولة حول ديك الجن وشعره، إنها جولة خواطر وتداعي أفكار، لم تقم على أسس البحث المدرسي، ولم تتبن تقسيماته بل ولجت حجرة ديك الجن، وحاولت ولوج نفسه، وحامت حول عصره، ولم تنظر إليه بعين الحب و الإعجاب والرضا بدافع من عصبية المدينة أو عصبية الكتابة عنه، بل كانت قاسية عليه، شديدة القسوة، جردته من كثير من الأقنعة التي أسبغتها عليه كثير من الدراسات التي غرق أصحابها في إعجاب مفتعل بكل ما لا يعجب ولا يروق وبعد: