فهرس الكتاب
لقد كان في عصره شاعرًا من شعراء السفح، أدنى السفح، لم يقترب من القمة ولم يسع إليها، ولم يسامت أحدًا من أصحاب القمم في أي فن من فنون الشعر، لقد كان خليقًا أن ينوح على ورد بشعر لم يقل أحد قبله مثله، ولكننا لم نجد شيئًا من ذلك، إنه يسير في الدروب المطروقة المذللة، وإذا حاول التجديد أتى بالويلات وقذف بنا في مقالع الحجارة أو قل: قذفنا بالحجارة....
شيء واحد رائع وجميل في سيرة ديك الجن، هو أنه كان أستاذًا لأبي تمام، وربما أفاده بعض الإفادة (43) ..؟ ولكن رب تلميذ فاق أستاذه، وهكذا كان شأن أبي تمام الذي تجاوز ديك الجن وخلفه في غباره... وتحولت شعوبية ديك الجن الداكنة إلى عروبة ناصعة في شعر أبي تمام.. ولعل قصة التلمذة هذه كلها ملفقة أو مموهة... وربما كان اللقاء بينهما لقاء شاعرين لا لقاء أستاذ شاعر وشاعر ناشئ... ومهما يكن من أمر فإن الطريقة الشعرية التي يسمونها المذهب الشامي قد أخذت أبعادها على يد أبي تمام وفي شعره، وتجاوز بها كل التكلف الذي ظهر في شعر ديك الجن، وحولها من الجمود الصلب إلى الحركة الحية (44) .