فهرس الكتاب
إن ما أتصوره وأظنه أن ديك الجن لم يفتن أهل العراق بقوله، وإنما فتن أبا نواس بظبيه ـ وهما أصحاب بلية واحدة ـ فمد هذا له شباكه وهو الخبير، وجامله من حيث حسنت المجاملة، وتلقف الناس بعدهما هذا الخبر أو قل: تلك المجاملة، وذكروها على أنها اعتراف عظيم من أبي نواس بشاعرية ديك الجن، والشاعرية تفرض نفسها ولا يفرضها اعتراف... ومن هذا المنطلق لمع أبو نواس وخبا ديك الجن، لمع الأول لموهبته الفذة، وخبا الثاني لأن موهبته لم تكن متألقة وهاجة، فبعض المقطوعات الجميلة التي قالها لا ترتفع به إلى مصاف الشعراء الكبار، ولم يكن منهم في أي فن من فنون الشعر، لقد مدح فيما تعلق بأذيال أبي تمام، وتغزل، وبواعث حبه قوية فما أجاد، وكانت في حياته مأساة عميقة قاتمة جديرة أن توحي له بعقائل القصائد، ولكن كانت الحصيلة مقطوعات باهتة بالقياس إلى هول المأساة، وقال في الخمر وليته ما قال، فالخمرة التي كانت تغدو رمزًا للروح والحياة عند معاصريه، أو عند بعضهم بقيت لديه مجرد شراب كالمسك والعنبر (39) .
لقد عاش ديك الجن في عصر جرت فيه أحداث كبرى جسام... حرب الأخوين: انتصار المعتصم في عمورية... مرورًا بعصر المأمون... وهذه الأحداث كلها لا تجد لها أي صدى في شعره بينما تجد صدى حادثة في منتهى التفاهة والسفاهة والخسة وهي قصة الاعتداء على أحد الغلمان في عاصي الميماس (40) ، وكان مهتمًا جدًا بذلك...."إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها (41) .. وكان ديك الجن متعلقًا بهذه السفاسف... مقصرًا تجاه فنه وشعره ونفسه، فلا عجب بعد ذلك كله أن أهمل وذكر على الهامش، ولولا جمال الأسطورة التي جعلت تاريخًا له.. وهي قتله لـ (ورد) ولغلامه ثم إحراقهما وشرب الخمر من كوزين صنعا من رماد عظامهما... وهذه قصة تلهب الخيال (42) ... لما بقي من ديك الجن شيء جميل يذكر..."