فهرس الكتاب
إني غفلت عن الساقي فصيرني ... كما تراني سليب العقل والدين (35) .
فقارن بين قوله: ظللنا بأيدينا.... الخ وقول الآخر: فقلت: خذالخ....، إنه الفرق بين مباشرة المعنى، ونظمه كما ينظم الشعر التعليمي، وبين تأديته على نحو غير مباشر، يوحي بها إيحاءً ويومأ إليه إيماء. ... تناولها من خده فأدارها (36) .
وأمر آخر يتعلق بهذه المقطوعة، وهو الخبر الذي نسب إلى أبي نواس قوله لديك الجن: إنك فتنت أهل العراق بقولك:
موردة من كفِّ ظبي كأنما
ولا أحسب أبا نواس ـ إذا صح الخبر ـ إلا مجاملًا لديك الجن، لأن شعراء العراق ـ ومن وافاهم آنذاك ـ وعلى رأسهم أبو نواس لم يدعوا معنى طريفًا ولا صورة رائعة يمكن أن تخطر ببردها في أيامهم إلا ألحوا عليها، وبلغ أبو نواس من البراعة في ذلك مبلغًا عجيبًا يخلف ديك الجن وعشرات مثل ديك الجن في غباره، ففي خمرياته تختلط الأضواء وتتماوج الصور، ويغيب العقل ويثوب، وتصور أدق الحركات والانفعالات، بينما كانت الخمر عند ديك الجن مجرد تبرٍ قد عجن بماء لجين، أو هي زلال، أو هي مسك وعنبر، ولا تقع له على بيت واحد يسامق فيه أبا نواس وإليك هذه الصور من شعر أبي نواس من غير تدقيق في الاختيار: ... كأن شعاع الشمس يلقاك دونها
وصفراء قبل المزج بيضاء بعده
ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقل جفونها
كأن يواقيتًا عواكف حولها ... وزرق سنانيرٍ تدير عيونها (37) .
أو هذه الصور: ... يقبِّل في داج من الليل كوكبا
إذا عب فيها شارب القوم خلته
ترى حيثما كانت من البيت مشرقًا ... ومالم نكن فيه من البيت مغربا (38) .