فهرس الكتاب
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 20 - السنة الخامسة - تموز"يوليو"1985 - ذو القعدة 1405
فهرس العدد
الجِنّ وَأحوالهُم في الشعر الجَاهلي - عَبد الغني زيتوني ... (م) ... حكيمة ولما بها
لم تكد تخلو أمة من الأمم القديمة من الاعتقاد بوجود عالم غير مرئي في هذه الحياة، يزخر بمخلوقات تمتلك قوى خارقة تصنع الخير والشر، دعيت تارة بالآلهة وتارة بالجن وتارة ثالثة بالأرواح. فإذا بحثنا في أخبار العرب الجاهليين وتصوراتهم فإننا نجد أنهم كانوا يتخيلون وجود كائنات خفية، لها قوى خارقة، تملأ بواديهم وفلواتهم، وتتصف بمقدرة عظيمة وسطوة جبارة تنفعان حينًا وتضران أحيانًا كثيرة، وقد دعوا هذه الكائنات بالجن.
فما القصد بالجن؟.. جاء في لسان العرب مادة (جنن) :"الجن نوع من العالم، سموا بذلك لاجتنانهم عن الأبصار، لأنهم استجنوا من الناس فلا يُرون. والجمع: جنان، وهم الجِنة. والجان أبو الجن خلق من نار، ثم خلق منه نسله. والجني: منسوب إلى الجن والجنة".
*عالم الجن:
لقد عرف العرب الجاهليون الجن معرفة واسعة، حتى بلغ بهم الأمر أن جعلوا الجن عالمًا شبيهًا بعالمهم في الجزيرة العربية. ذلك أن الجن يتألفون من عشائر وقبائل تربط بينها رابطة القربى وصلة الرحم، فمن قبائلهم الشهيرة قبيلة"مالك بن أقيش" (1) . وقبيلة"بني الشيعبان" (2) .
أما سكناهم فهي الأماكن المقفرة والمنازل المهجورة، ذلك:"أن الأعراب تزعم أن الله، عزَّ ذكره، حين أهلك الأمة التي تسمى وبار، كما أهلك طسمًا وأميمًا وجاسمًا وعملاقًا وثمودًا وعادًا، أن الجن سكنت منازلهم وحمتها من كل من أرادها" (3) . وقد ذكر الأعشى حِجرًا، وهي ديار ثمود البائدة، وكيف أن الجن قد اجتمعت حولها تصوّت وتصيح (4) :
أو لم تري حِجرًا وأنت
أن الثعالب بالضحى ... يلعبن في محرابها
والجن تعزف حولها ... كالحُبْشِ في محرابها