فهرس الكتاب

الصفحة 5248 من 23694

أن الشعراء الجاهليين قد أسهبوا كثيرًا في وصف الأماكن المقفرة والفلوات الواسعة التي قطعوها، وهم يسمعون عزيف الجن في نواحيها. ويظهر أن ذلك العزيف لا يسمع إلا في مجاهل الصحراء المخيفة، وفي المفاوز البعيدة في أحشاء الجزيرة العربية. فهذا الأعشى أيضًا يصف إحدى هذه المفاوز في قوله (5) : ... مناهلها آجناتٌ سُدَمْ

ويهماء تعزف جِنَّانُها

كما يوغل في تصوير رهبة البادية التي تنبعث في أرجائها صيحات الجن المرعبة (6) : ... للجن، في الليل، في حافاتها زجَل

وبلدة مثل ظهر الترس موحشةٍ

وذاكم زهير بن أبي سلمى يصور في شعره بلدة نائية عن العمران، قد توطنت فيها الجن فأصبحت ممتلئة بأصواتهم المخيفة، حتى أن الثعالب لتصرخ مذعورة منها (7) . ... زوراء مغبرَّة جوانبها

وبلدةٍ، لا ترام، خائفة

تسمع للجن عازفين بها ... تضج من رهبة ثعالبها

وذكر طرفة بن العبد في شعره طريقًا مجهولة، قد توطنها الجن منذ أقدم الأزمان، فهم يملؤون جنباتها بصيحاتهم، وصرخاتهم (8) : ... قبل هذا الجيل من عهد أبدْ

ورَكوبٍ تعزف الجن به

وكذلك فإن بشر بن أبي خازم يصور أرضًا قفرًا، في وقت الظهيرة، حيث الشمس ترسل لهيبها وشواظها على الرمال، هذه الأرض لا يؤنس فيها إلا لعزيف الجن، وياله من أنس موحش! (9) : ... فيافيه يطير بها السهام

وخرقٍ تعزف الجنان فيه

والجن في تصور الجاهليين لا يكتفون بارتياد الأماكن المقفرة والمنازل المهجورة، وإنما يتخذون مطاياهم من حيوانات الصحراء متنقلين عليها، ولاسيما الحيوانات التي تعيش في مواطنهم، كالنعام والظباء، واليرابيع والقنافذ والحيات والعقارب وما شابهها (10) . ... بدار لا أريد بها مقاما

وقد قدمنا أن الجن تكوّن قبائل لها زعماؤها، وربما ظهر أفرادها للعرب وتكلموا معهم بكلام يفهمونه. فمن ذلك شعر ينسب إلى شمر بن الحارث الضبي، وصف فيه اجتماعه بنفر من سادات الجن ودعوته لهم إلى الطعام (11) :

ونار قد حضأتُ بُعيد هدءٍ

سوى تحليل راحلةٍ، وعين ... أكالئها مخافة أن تناما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت