فهرس الكتاب
أتوا ناري فقلت: منون، قالوا ... سراة الجن، قلت: عموا ظلاما
فقلت: إلى الطعام، فقال منهم ... زعيم: نحسدُ الإنس الطعاما
فإذا حدث أن قتل إنسان أحد أفراد الجن، عامدًا أو خطأ، فإن قبيلته تثور ثائرتها، وتنهض للثأر من القاتل الإنسي وقبيلته، كما هي عادة الجاهليين في الثأر. ولا يحدث ذلك في هدوء، وإنما تتبعه ضجة صاخبة وغبرة عظيمة تكاد تحجب السماء عن الأعين، مما يدخل الرهبة في نفوس البشر. ... تُرجى نوافلها ويخشى ذامها
ومصداق ذلك هذه الخرافة التي وردت عن الجاهليين، إذ زعموا أن جنيًا أتى إلى مكة وطاف بالكعبة ثم عاد، حتى إذا كان في بعض دور بني سهم قتله رجل منهم، فثارت بمكة غبرة عظيمة لم تبصر لها الجبال، وأصبح من بني سهم على فرشهم موتى كثير من قتل الجن. فنهضت بنو سهم وحلفاؤها ومواليها وعبيدها، فركبوا الجِبال والشعاب، فما تركوا حية ولا عقربًا ولا خنفسًا ولا شيئًا من الهوام إلا قتلوه لأنها مطايا الجن. فأقاموا بذلك ثلاثًا، فسمعوا في الليلة الثالثة على جبل أبي قبيس هاتفًا يهتف بصوت جهوري:"يا معشر قريش: الله الله فإن لكم أحلامًا وعقولًا!.. اعذرونا في بني سهم، فقد قتلوا منا أضعاف ما قتلنا منهم، ادخلوا بيننا وبينهم بالصلح، نعطيهم ويعطوننا العهد والميثاق ألا يعود بعضنا لبعض بسوء أبدًا". ففعلت قريش بذلك، واستوثقوا لبعض من بعض، فسميت بنو سهم، العياطلة، قتلة الجن (12) .
ومن هنا نجد أن الجن، فيما زعم الجاهليون، أشبه بشيء بالبشر، وخاصة بالعرب، فهم يعتقدون في مكة اعتقاد العرب فيها، فيطوفون بكعبتها، ثم هم يثأرون لقتلاهم، وإذا حزبهم أمر تحالفوا مع الأنس كما تتحالف القبائل العربية على عدم الاعتداء.
*صورة الجن: