فهرس الكتاب
ولخوفهم الشديد من شر الجن فإن كثيرًا منهم كانوا، إذا نزلوا أرضًا منقطعة عن العمران قام أحدهم واستعاذ بالجني، سيد تلك الأرض، ليدرأ عنهم الأذى، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأمر في قوله تعالى: ]وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا[ (32) . ... فإني ضيف نازل بفنائكا
وجاء في تفسير الآية:"كانت عادة العرب في الجاهلية أنهم إذا نزلوا واديًا أو مكانًا موحشًا، من البراري، وغيرها، يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوؤهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم، زادوهم رهقًا أي خوفًا وإرهابًا وذعرًا" (33) .
وحينما كانوا يعوذون بالجن فإنهم كانوا يخاطبونهم بلهجة، فيها التذلل لهم والتمجيد لسيدهم، كي يمن عليهم بالرعاية و الحماية، قال أحدهم، وقد نزل أرضًا موحشة (34) :
هيا صاحب الشجراء هل أنت مانعي
وإنك للجنَّان في الأرض سيد ... ومثلك آوى في الظلام الصعالكا
ولكن يبدو أن التعوذ لا يفيد دائمًا، فهذا رجل استعاذ بعظيم واد نزل فيه ليحميه هو وولده، فلم يمنع ذلك من أن يأتي أسد ويفترس ابنه، فعبر عن خيبته بقوله (35) : ... من شر مافيه من الأعادي
قد استعذنا بعظيم الوادي
فلم يجرنا من هزبر عادي
فكائنات الجن تملأ الصحراء، ولاسيما الأماكن النائية عن العمران، وللجن في مخيلة العرب الجاهليين أشكال هائلة مخيفة، وقوى للخير ينفعون بها الناس، وقوى للشر ترهبهم وتفزعهم. ولعلنا لا نغلو إذا قلنا أنه لو اكتملت لدينا تفصيلات أكثر عن تلك الحوادث وأمثالها من عالم الجن لجلِّيت لنا أساطير عربية متكاملة، لا تقل عن أساطير الإغريق القدماء خصبًا في الخيال وغنى في التصوير.
*الحواشي:
(1) ـ السيرة النبوية: 1/ 423.
(2) ـ شرح ديوان حسان بن ثابت: ص 423.
(3) ـ الحيوان: 6/215.
(4) ـ الديوان: ص 251.
(5) ـ الديوان: ص37.
(6) ـ الديوان: ص59.