فهرس الكتاب
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 20 - السنة الخامسة - تموز"يوليو"1985 - ذو القعدة 1405
فهرس العدد
مؤرّخو العمران والأوابد بدمشق حَتى نِهَاية العَهْد العُثماني - عَبد الرّزاق مُعاذ
للتاريخ العمراني أهمية لا يستهان بها باعتباره فرعًا من فروع التاريخ، مثله مثل التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وقد أولاه المؤرخون العرب المسلمون أهمية كبيرة، فالسخاوي (المتوفى عام 902هـ) . عندما ذكر النواحي التي يتناولها علم التاريخ، عدّ التاريخ للأوابد والعمران"كبناء جامع أو مدرسة أو قنطرة أو رصيف أو نحوها" (1) من ضمنها.
وكذلك فإن معرفة الطوبوغرافية التاريخية والشواهد الأثرية بالنسبة للباحث الذي يريد دراسة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمدن الإسلامية، تعد أمرًا لا مفر منه (2) . فلابد للباحث بادئ ذي بدء، من أن يحدد معالم المسرح الذي جرت فيه الوقائع والأحداث ويبينه.
وقد وعى مؤرخونا الأقدمون هذه الحقيقة، ونلمس ذلك فيما خلفوه لنا من مؤلفات، ولنضرب على ذلك أمثلة تتعلق بدمشق: فابن عساكر (المتوفى عام 571هـ) ، في كتابه"تاريخ مدينة دمشق"ذي الثمانين مجلدة، خصص القسم الأول من المجلدة الثانية للحديث عن خطط دمشق وأوابدها، فكأنه ـ كما يقول الباحث الفرنسي اليسييف ـ وضع"الديكور"للمسرح الذي تجري فيه الأحداث، وتلعب فيه الشخصيات التي يترجم لها في مجلداته الثمانين أدوارها (3) .
هذه الرؤية الذكية نجدها أيضًا عند ابن طولون الصالحي (المتوفى عام 953هـ) . في كتابه"القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية". الذي أراد أن يعرّفنا فيه بتاريخ الصالحية، ومن مرّ بها من أشخاص وما ألمّ بها من أحداث، من خلال عرضه لأماكنها وأوابدها، وضمن إطارها الحقيقي. وكذلك فعل من قبله أستاذه النعيمي (المتوفى عام 927هـ) . عندما أرخ للحياة الثقافية بدمشق في كتابه المشهور باسم"الدارس في تاريخ المدارس".