فهرس الكتاب

الصفحة 5281 من 23694

وباستطاعة الباحث والدارس أن يستدل على حوادث الحكم والحياة وصور التقاليد والخصائص في أي عصر من عصورهم بشعر الشعراء الذين استمدوا الإلهام والكلام من صميم الحوادث وملابساتها وكأن القصائد بما حوت من وثائق وشواهد على الحقائق التاريخية، فمعركة"عمورية"التي ساق إليها الخليفة المعتصم أربعة جيوش بعدة لم يعرفها العرب في حرب قبله، وقد دون التاريخ أخبار هذه المعركة التي احتدمت بين العرب والروم، وتعددت المصادر التي تناولتها، ووصلت إلى أيدينا فإذا بها وفي مقدمتها التاريخ الكامل لابن الأثير، تقول في"فتح عمورية"، سطورًا موجزة لكن الشعر العربي هو الذي فصل رواية التاريخ وألقى على أخبارها النور في وصف هذه الحرب الرهيبة، فقد صورها الشاعر الخالد"أبو تمام"في قصيدته البائية الرائعة وكأنك وأنت تقرؤها تشهد المعركة والحصار، وفتح الأسوار، وما صنع المعتصم تلقاء الحوادث المزدحمة وما عرض ملك الروم من الفداء لأسرى الحرب، وكيف أخذت النار أبراج البلد، كل هذا قدمه الشعر العربي الرصين في تراثنا القديم، فمن ها هنا نجد تاريخنا في حاجة إلى روافد وشواهد مما قدم الشعر مؤيدة للحوادث والصور. وقد كان هذا الشعر على اختلاف العصور العربية مرافقًا لكل تغيير وتطور في حوادث الدنيا وأسبابها. ولم تخل العصور من شعراء وصفوا بلادهم وطبيعتها، وأشادوا بمآثرها وأطوارها، وما حل فيها من خير أو شر على أيدي ولاتها وذويها، وما طرأ عليها، وإذا اختلفت المراجع التاريخية في أمر من الأمور، فإن الشعر كثيرًا ما دل على الصواب إذا تناولته دراسة تمحيص واستقصاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت